هيفاء ابو النادي: ما لا يعرفه البعض ربما هو أن المخرجة البيروفية كلوديا لوسا كانت قد قرأت كتاباً بعنوان Entre Prùjimos: El conflicto armado interno y la pol'tica de la reconciliaciùn en el Per' (فيما بين الجيران: النزاع المسلح الداخلي وسياسة المصالحة في بيرو) لمؤلفته المختصة بالأنثروبولوجيا وأمريكا اللاتينية الدكتورة والأكاديمية الأمريكية كيمبرلي ثايدون، فحثتها قصص هذا الكتاب وشهادات النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب وشتى أنواع الاضطهاد والعنف الجنسي بسبب ما عاشته بيرو في الثمانينيات والتسعينيات من نزاع مسلح داخلي بين الجيش والشرطة من جهة وجماعات المتمردين من جهة أخرى، على العمل على كتابة سيناريو فيلمها 'حليب الأسى'. وكما تقول الدكتورة ثايدون في كتابها فإن تلك النسوة كنّ يتحدثن عن خوفهن المرضي الذي غيّر خارطة أجسادهنّ. بالإضافة إلى قلقهنّ المفرط من انتقال هذا الخوف إلى أطفالهن أثناء الرضاعة. ومن الجدير ذكره هنا هو إشارة تلك النسوة إلى هذا المرض باستخدام عدة تسميات، مثل: حليب الغضب، أو حليب القلق، أو حليب الأسى، والأخير هو ما اختارته المخرجة لوسا عنواناً لفيلمها.
من وجهة نظرهنّ، فكل تلك المشاعر من شأنها أن تؤثر سلباً على المرأة وعلى جسدها لدرجة أنها ستنقل المرض حتماً إلى أطفالها من خلال حليب الرضاعة. ومن هنا كان القلق شديداً على الأطفال، الإناث حتماً. تروي أولئك النسوة معاناة مشتركة، معاناة ترسّخت في الذاكرة طويلاً وظلّ شبح تكرارها يراود أحلامهنّ ويقظتهنّ وحتى غفلتهنّ. باتت ذاكرتهنّ جزءاً متأصّلاً من أجسادهنّ. فبالنسبة لهنّ، الذاكرة جسد! وما أصعب أن يكبر خوفك مع نموّ جسدك وأنتَ تعلم جيّداً أنّ خللاً ما يرافق ذاكرتك التي عاشتها أمك وورثتها أنتَ بشكلٍ مباشر أحياناً وبشكلٍ غير مباشر أحياناً أخرى.
ما فعلته المخرجة لوسا ببراعة هو اختزال كلّ ذلك في ساعة ونصف من الزمن ضمن مشاهد متلاحقة يعتبر البعضُ إيقاعَها رتيباً أو بطيئاً لكنه عميق الأثر بكلّ تأكيد. فلم نشهدْ أيّ مشهد عنفٍ جسديّ أو اغتصاب، لكننا شاهدنا وبكل دقة ذاكرة والدة فاوستا (البطلة) ترافق فاوستا (الممثلة ماجالي سوليير) طوال الوقت. فعلى الرغم من أن كلوديا استطاعت بحنكة أن تبعدَ الكثير من الوحشية عن الشاشة، إلا أنها - في الوقت نفسه - جعلتنا نتلمس هذه الوحشية وتلك القسوة وذاك العنف والاغتصاب الذي تحدثت عنه والدة فاوستا في أغنية ذات تفاصيل بشعة، لقنتها الأم لابنتها حتى وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، وكأنها بذلك تحمّلها أعباء ذاكرتها وتجبرها على عدم النسيان وتطلب منها المضيّ ضمن كلّ ما هو متاح. ومنذ تلك اللحظة، تبدأ معاناة فاوستا وتبدأ معها رحلة البحث عن طريقة لتأمين النقود الكافية لإيصال جثمان الوالدة إلى القرية بهدف دفنها هناك بسلام.
يعرض الفيلم الكثير من عادات وتقاليد شعب بيرو، خاصّة تلك المتعلقة بالزواج. فاللافت مثلاً أنّ حفلات الزواج تكون مبرمجة، فبالإضافة إلى الموسيقى أو الأغنيات التي ترافق الحفل، يصدح صوتُ أحدهم في مكبر الصوت معلقاً على ما يحدث ومشيراً للعروسين بأن يقفا مثلاً لأنّه وقت أخذ الصور أو بالرقص معاً لمدة يحددها هو، أو بأن ترقص العروس في لحظة يحدّدها هو مع أحد أقربائها. وبحركة أوتوماتيكية تجد الجميع ينصاع لأوامر هذا المتكلم أو المعلق بكل سهولة ويسر.
يحتفي 'حليب الأسى' بالرموز. فالبطاطا مثلاً يمكن أن تدفن في أعضاء فاوستا التناسلية بناء على نصيحة إحدى جارات والدتها من أجل حمايتها من كل ما من شأنه أن يجعلها عرضة للاغتصاب في سنوات الحرب والإرهاب التي عاشتها بيرو في وقت ما، فيصبح لجسدها رائحة كريهة وبذلك تحافظ على كرامتها وشرفها، ويمكن أن يتساءل أحدنا لم البطاطا تحديداً لتزرع في جسد فاوستا.. ربما لأن بيرو تعدّ مسقط رأس البطاطا في العالم. أما طقس تقشير البطاطا قبل حفل الزواج من قبل العروس بطريقة معينة متواصلة ورقيقة تعني حياة مديدة ورفقة واعدة وأولاداً كثيرين واستقراراً أكيداً. أمّا دفن الألعاب في جوف الأرض فيعني - قديماً - أن التربة ستبلع كل ما في جوفها ولن يتمكن أحد من استخراج ما دفن فيها أبداً، لكن سرعان ما تتلاشى هذه الفكرة حين تحفر عازفة البيانو عايدة (التي أدت دورها الممثلة سوزي سانشيز) - التي تعمل لديها فاوستا لبضع الوقت - فتجد لعبة كانت قد دفنتها في صباها، وقتها فقط تلمع عينا فاوستا، وكأنها بذلك توقن لوهلة بأن دفن والدتها لن يعني شيئاً وبأن ما اعتادت أن تسمعه من أقاويل عن أنّ الأرض تبتلع كلّ ما يُدفن فيها ما هو إلا كلام لا أساس له. وبذلك ستحنو الأرض على أمها وستعيدها يوماً ما إليها. الزواج والموت وجهان لعملة واحدة. ففي الأولى حياة جديدة مشتركة وأولاد سيغمرون الأرض بصراخهم والثانية شكلٌ آخر من الحياة ولكن على انفراد وفي عزلة لا يختارها أحد. وفي مشهد خلاب وموجع حين تركض فاوستا للبحث عن جثمان والدتها أثناء انشغال الجميع في التحضير لحفل زواج ابنة عمها الذي تعيش معه تدخل غرفة يكون فيها فستان الزفاف على السرير، فتزيح السرير بسرعة إلى المنتصف تقريباً لتجد جثمان والدتها تحته، وتجلس قربها تفكر، والمشهد من بعيد يوحي لنا وكأن الأم ترتدي الفستان في محاولة من المخرجة ربما للمقاربة بين العملة الواحدة التي تجمع ما بين الزواج بصفته الحياة، والموت بصفته التي نعرف.
فاوستا التي تخاف من الأرواح الشريرة ومن الرجال على حدّ سواء تمشي بمحاذاة الجدار وتركض في كلّ مرّة خوفاً من أن يتبعها أحدٌ ما فيؤذيها مثلاً. سبب كل ذلك ذاكرة مغتصبة ورثتها فاوستا عن والدتها وبقيت تحفر عميقاً في جسدها حتى أصبحت جزءاً لا ينفصل عنها يدلّ عليها تبرعم درنات البطاطا المزروعة داخل جسدها.
الغناء أمرٌ اعتادت فاوستا أن تفعله كلما توجعت، أو تفتح برعم جديد في البطاطا المزروعة داخلها، أو نزف أنفها وأصيبت بالإعياء، وكأنها بذلك تحقن الألم بالأغنيات فتخفف من حدته شيئاً فشيئاً. ولأن الغناء لديها موروث عائليّ، تحسّ بقرب والدتها منها في كل مرة تتألم فيها وتختار أن تغني بدل البكاء أو الصمت.
سمة البحر الغدر كما يعدّه معظمنا، لكنّ فاوستا تجد فيه الخلاص، لذلك تمشي نحوه مصطحبة والدتها وتشرع في الغناء: 'انظري إلى البحر يا أمي'.
'حليب الأسى' من إنتاج عام 2009، عرض في العديد من المهرجانات السينمائية وحاز الكثير من الجوائز، من أهمها جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي لعام 2009، كما أنه مرشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 2010.
كاتبة وأكاديمية أردنية