برزت الدراما عموما كأحد الأجناس الإبداعية الهامة للشاشة الصغيرة وأضحت عنصرا لا غنى عنه لاستقطاب المشاهد مما أدى إلى التسابق نحو هذه الأعمال واحتكار ما هو جيد منها وخاصة في الموسم الرمضاني الذي يعطي صورة عامة للمشهد الدرامي العربي
*      *          *
- تحتل الدراما السورية موقعا متقدما إلى جانب الدراما المصرية والخليجية التي يتسارع تطورها عاما بعد عام ، وقولنا في الدراما السورية هنا لاينم عن أي انحياز عاطفي تجاهها بقدر ما نحاول تلمس الحالة الموضوعية في قراءتها ، إذ بدأت تشكل ظاهرة ملفتة لمتابعي الشاشة الصغيرة وخاصة في السنوات الأخيرة ، كما أضحت الأكثر كما وتطورت فيها الحرفية في إنتاجها أو ما يمكن تسميته بصناعة الدراما
- تبدو ملامح التطور في الدراما السورية في عدد من الأعمال مثل / أيام شامية / لبسام الملا و / نهاية رجل شجاع / لنجدت أنزور ، وأعمال أخرى أدت إلى شكل من التنافس منح الدراما عمقا في المحتوى وتجليا إبداعيا للصورة البصرية ، وقد اعتاد المشاهد فيما مضى على الإصغاء للدراما كونها قائمة على الحوار ومقدرة الممثل في الإقناع إلا أن المسألة بدت أكثر من ذلك فيما بعد وقد تم الاهتمام بشكل متكامل للصورة البصرية للدراما ، ولا يمكن تحقيق هذا التكامل دون أن يكون لدينا نص متقدم
- إن التنوع في محتوى الدراما ومعناها هو ما أكسبها تلك الحيوية ، فكانت الأعمال التاريخية ، تاريخية في محاولتها لخلق الزمان والمكان الحقيقي لها وتجدر الإشارة هنا إلى أعمال الكاتب وليد سيف منذ مسلسل صلاح الدين وحتى ملوك الطوائف حيث نجد الرواية التاريخية المتقنة الصنع ، والغنى في الحوار والسيطرة على اللغة التي عبرت عن الشخصية في تطورها ككائن إنساني من لحم ودم وتعيش مع الشخصية وكأنها حقيقية ، لانقل عن حقيقة ولا تمثيل عنها ، وفي هذا المجال يضاف عبد الكريم ناصيف في مسلسل / خال بن الوليد / 0
ثمة فرق يمكن ملاحظته بين السيناريو المعد للفرجة أو التسلية وقد يكون لها مغزى ما ، وبين الرواية التي تبدو فيها الشخصية مشغولة بعالمها المتعدد نفسيا واجتماعيا ، لامجرد شخصية تنطق دون معرفة ردود أفعالها
-         هذا ما يؤكد على حضور للرواية التلفزيونية ، أو ما يسمى بالأدب التلفزيوني ، وهذا ما يعود لانخراط عدد من الأدباء في الكتابة الدرامية ونذكر بهذا الصدد : ممدوح عدوان ، خالد خليفة ، خيري الذهبي ،قمر الزمان علوش ، وآخرين ، هذا وقد تم تحويل عدد من الروايات المكتوبة للتلفزة ، كأعمال حنا مينة ، نبيل سليمان ، ايزابيل اللندي ويبدو واضحا الحس الروائي في / نهاية رجل شجاع/ و/ عائد إلى حيفا / وأعمال أخرى تجسدت فيها موضوعات حيوية بالنسبة للمشاهد ، فأعطى وليد سيف صورة متقنه عن التجربة الفلسطينية في / التغريبة الفلسطينية / وأعطى مسلسل / الشتات / أيضا تصورا هاما عن تشكل الصهيونية ، والمفارقة تكمن في أن هذا العمل لم تتجرأ الكثير من المحطات العربية على عرضه ، وتم إيقاف مسلسل / الطريق إلى كابول / لأسباب ما تزال غامضة ، وقد تصدت الدراما لموضوعات الإرهاب في أكثر من عمل درامي للمخرج شوقي الماجري ونجدت انزور وغيرهما ، وعلى صعيد آخر اقتربت الدراما من الواقع أكثر ومن المعاش في الحياة اليومية بكل تفاصيلها ووجدنا ذلك منذ / الفصول الأربعة / و / ذكريات الزمن القادم / و/نساء صغيرات / و/ أحلام كبيرة / على طول الأيام / غزلان في غابة الذئاب / وأعمال اخرى كثيرة
- أما على صعيد الشكل الفني فقد حققت الصورة في الدراما تقدما ملحوظا بدت خطواته الأولى مع المخرج نجدت انزور الذي كسرحالة الركود لشكل الإخراج نحو سينوغرافيا متجاوزة للنص المكتوب ، وتكمن الأهمية التي جاء بها أنزور في تحويل العمل الدرامي من الارتكاز على الحوار وحضور الممثل إلى الارتكاز على الصورة بعناصرها البصرية المختلفة وقد ادخل الإحساس السينمائي إلى التلفزة ، ومهتما بالتقطيع والانتقال ( المونتاج ) وكان ذلك واضحا في / نهاية رجل شجاع / وبعد ذلك تطورت العملية الإخراجية بخطوات حثيثة لاتخلو من البحث والتجريب الدؤوب عن صيغ جديدة للصورة والكادر والمؤثرات ، وأصبح الإخرج بطل العمل الدرامي 0
   في سياق ذلك التطور قدم المخرج هيثم حقي في أفضل صيغه الإخراجية / خان الحرير / لمؤلفه نهاد سيريس حالة متقدمة بالتعامل مع الصورة وإحساسا خاصا مفعما بالجو النفسي والعاطفي للشخصيات ، ويتقدم باسل الخطيب بخطى واثقة منذ عمله / أيام الغضب /وحتى عمله الأخير / نزار قباني / الذي جاء قصيدة بصرية، ويعمل المخرج على جماليات الصورة معطيا المشهد منطقه الخاص كضوء ولون 0
وسط ذلك البحث والغنى بالتجارب الإخراجية السورية تبرز تجربة حاتم علي بقوة منذ مسلسل / صلاح الدين /وفي كل عمل جديد ثمة إضافات في الشكل ومزيد من البحث والتجريب ، ويمتلك المخرج كادره الخاص الذي يؤكد فيه على الوجه البشري بما يعكسه من حالة تعبيرية ، وثمة توافق عال مابين المنطوق والصورة ، فيظهر الحس الداخلي للشخص ، ففي عمليه الأخيرين / أحلام كبيرة /و / على طول الأيام / أدخل الواقع إلى الكادر ، فأخذ صورا مختلفة للشارع بحياته اليومية وأدخلها بين المشاهد لتدخل أنت كمتلق فيها ، وبالتالي تدخل عمق الحدث فتعيش مع شخصيات العمل وكأنهم جزء من حياتك اليومية ولو رميت أي شخصية في الشارع أو الحي لكان وجوده طبيعيا وكأنك تعرفه منذ زمن بعيد
- لاريب أن هناك تجارب إخراجية عديدة وهامة لايمكن بحثها جميعا ويمكن الإشارة إلى بعضها مثل المخرج شوقي الماجري الذي دخل بقوة في الإخراج الدرامي السوري والليث حجو الذي تطورت تجربته وجاءت بقوة في مسلسله الأخير / أهل الغرام / والشيء نفسه ينطبق على رشا شربتجي وآخرين 0
ولاريب أن هناك أعمالا قليلة الأهمية من حيث المحتوى والشكل لم نذكرها وهناك أيضا أعمال هامة لم نذكرها لصعوبة الإحاطة بالانتاج الدرامي كاملا