حين تصبح الكتابة ثأراً للحب
«عن المحبة» رواية الهولندية «دوشكا ماسينج» التي صدمت قراءها
لو كانت كاتبة هذه الرواية امرأة أخرى غير الهولندية "دوشكا ماسينج" لربما قلنا إننا أمام كتاب يشكل ارتباكاً جديداً في عالم الرواية المكتوبة باللغة الهولندية، ليس فقط بسبب من التيمات العديدة التي تضمنها العمل الصادر مؤخراً عن دار "كيوريدو – Querido" الهولندية، ولكن لأن الرواية التي حملت عنوان "عن المحبة" قسمت إلى ثلاثة أجزاء يتخذ كل جزء منها تيمة أدبية مغايرة للجزأين الآخرين، مع الاحتفاظ بالشخصيات الرئيسية للعمل الصادر في 238 صفحة من القطع المتوسط، ولكن لأن الكاتبة هي "دوشكا ماسينج" صاحبة "الديوك وحكايات أخرى" (1974)، "روبنسون" (1976)، و"نمر، نمر!" (1980)، وصولاً إلى رواياتها الأحدث مثل: "نار وحرير" (1992)، "الرجل الثاني" (2000)، و"قتل وشروع في قتل" (2005)، فقد أحدثت روايتها الجديدة جدلاً لم تنته أصداؤه بعد في الوسطين الثقافيين الهولندي والبلجيكي، حيث فاجأت الكاتبة قرائها بالكتابة عن حياتها الخاصة للمرة الأولى في تاريخها الأدبي الطويل، كاشفة النقاب عن حياة عدد من نجوم ورموز الوسط الثقافي والصحافي الهولندي بجرأة لم يتعودها المحيطين بها، هي التي كانت تقول سابقاً إنها إنما تلعب بالحقائق في كتابتها ولن تكتب أبداً عن حياتها الخاصة في عمل أدبي، ولن تسمح لنفسها بذلك حفاظاً على خصوصية حيوات من يحيطون بها، هذه المرة تخرج "ماسينج" تحت تأثير الخيبة والفشل عما قالته من قبل، لتتناول في روايتها الجديدة "عن المحبة" حياتها الخاصة محاولة رصد مساوئها وحسناتها بعين متفحصة، ساعية إلى الكشف عن سبب فشلها ثلاث مرات متتالية في الحب!
علاقة مثلية
ولدت "ماسينج" في العام 1947 بمدينة إندهوفن في الجنوب الهولندي، درست اللغة الهولندية وعلوم الأدب قبل أن تعمل كأستاذة في جامعة أمستردام، ثم كمسؤولة عن القسم الأدبي بصحيفة "فراي نيدرلاند"، وفي العام (1969) صدرت أول قصة لها عن دار بوديوم العريقة، وبعد أربع سنوات تصدر أول مجموعة قصصية تحت عنوان "الديوك وحكايات أخرى"، لتصبح هذه المجموعة المؤشر الحقيقي على ولادة كاتبة جديدة ذات صوت خاص في الأدب الهولندي المعاصر، وبعد عامين تصدر روايتها الأولى "روبنسون" (1976) لتتوالي فيما بعد العديد من العناوين التي حملت توقيعها وتوزعت بين الرواية والقصة والمقالة والشعر، لكن في كل هذه الإصدارات كانت كاتبتنا تسير في الظل، كأنها تكتب وترمي بكتابتها إلى المطابع لتتواري من جديد، فهي لم تسع إلى النجومية ولا إلى الصدام مع أحد، ظلت طوال ثلاثة عقود لا صوت لها إلا في أعمالها الإبداعية، صحيح أن بعض أواخر أعمالها نالت ورشحت لبعض الجوائز الأدبية المهمة في هولندا، لكنها ظلت كاتبة من محبي الظل، إلا في روايتها الجديدة التي تكشف فيها عن كونها مثلية الجنس، وعن العلاقة التي ربطتها طويلاً بحبيبتها الكاتبة "كساندرا سخوته" (مواليد 1963) رئيسة تحرير صحيفة "فراي نيدرلاند" التي تتولي فيها "ماسينج" رئاسة القسم الأدبي.
نحن إذن أمام عمل أدبي يكشف عن جانب مجهول من حياة بعض الكتاب الهولنديين، ويقدم – وإن كان بطريقة غير مباشرة أو صريحة – بعض الحقائق التي تربط علائقهم وتعاملاتهم، لكننا لا يمكننا بحال من الأحوال أن نطلق على الرواية الجديدة لـ"ماسينج" مسمَّى العمل الفضائحي كما حاولت بعض الصحف الهولندية أن تروج للرواية الجديدة على صفحاتها، ذلك لأن الرواية لا تكشف عن أسماء حقيقية ولا تعتمد في تيمتها شكل السيرة الذاتية الصريحة، بل إن القارئ ليشعر بمدى معاناة "ماسينج" أثناء الكتابة كي لا تبدو كمن يثأر لكرامتها بوصفها حبيبة مهجورة، هجرتها حبيبتها لتقيم علاقة عاطفية مع رجل، والرواية بهذا المنحى إنما تقدم صورة غير نمطية لعلاقة الحب، فبطلة العمل "بيب" امرأة تخطت الخمسين تربطها علاقة حب مثلية بامرأة أخرى تدعى "جولا" تصغرها بأربعة عشر عاماً، وبالمصادفة تكتشف "بيب" خيانة حبيبتها مع رجل آخر يعمل معها، وتصدم البطلة حين تعرف أن هذه الخيانة استمرت لمدة عامين كاملين، وحين تواجه "بيب" حبيبتها بما عرفته من خيانتها مع زميلها بالعمل، تصارحها "جولا" بالحقيقة وتهجرها لتقيم مع حبيبها الرجل، هذا ما تسرده الرواية، وهو ما يتطابق بشكل كامل مع الحقيقة التي عاشتها "ماسينج" ككاتبة، فعلاقتها بالكاتبة "كساندرا سخوته" انتهت حين اكتشفت علاقة الأخيرة بزميلهما بالصحيفة ذاتها الكاتب "هندريك يان سخو".
سر الرقم (3)
الأجزاء الثلاثة للرواية تختلف اختلافاً بيناً في التيمة والروح والحس الكتابي وحتى في الأثر الذي تخلِّفه في القارئ، فالجزء الأول والأطول يقدم لنا حكاية "بيب" وحبيبتها "جولا" أو المحور الرئيسي الذي سيستمر معنا طوال العمل، في قالب الرواية النفسية، حيث تغوص "ماسينج" عميقاً في الأثر الذي تركته خيانة حبيبتها في نفسها، وما تشعر به من خجل وعار كونها حبيبة تركتها حبيبتها إلى شخص آخر، لنجد أنفسنا وكأننا أمام واحد من كتب التأهيل النفسي أو "كيف تساعد نفسك لو.."، فالكاتبة تحاول البحث عن سر فشلها في الحب ثلاث مرات متتالية، ملقية باللوم أحياناً على من أحبتهن وأحياناً أخرى على نفسها، ولن نبتعد عن الحقيقة حين نقول إن الجزء الأول بطوله واستنتاجاته المفرطة كان أضعف أجزاء الكتاب، فالكاتبة تبدو كما لو تريد أن تحرم القارئ متعة توصله بنفسه إلى الاستنتاج أو فهم ما بين السطور، فتشرح كل شيء وتبرر كل شيء وكأنها تكتب لقارئ لا يستوعب من كتابتها شيئاً، فيما يقدم الجزء الثاني رحلة الراوية "بيب" مع ثلاثة من أشقائها إلى بيت تملكه عائلتهم في سويسرا لقضاء عطلة الصيف، وهناك تتملك فكرة العثور على ميراث من الذهب في أقبية البيت أحد أشقائها ويبدأ في البحث عنه بيقين لا يهتز، وفي هذا الجزء تطالعنا "ماسينج" بقالب الرواية العائلية الهادئة، من رصد لعلاقاتها بأشقائها الثلاثة وعلاقة كل منهم بالأم والأب، وكيف تختلف وتتباين شخصياتهم واحدة عن الأخرى، وفي الجزء الثالث تعود بنا "ماسينج" إلى سنوات شبابها حين وقعت في غرام مدرسة الجيمانستيك دون أن تبادلها هذه أية مشاعر لمجرد أنها ليست مثلية الجنس، وفي هذا الجزء تكتب "ماسينج" الأحداث بطريقة الواقعية السحرية، فنشعر كما لو أننا أمام كاتبة من أميركا اللاتينية تسرد أثر عشقها لمدرستها وخيبتها في الحب الأول في حياتها.
ملاحظة أخيرة أجد أنها على قدر كبير من الأهمية في بناء عمل "ماسينج" الجديد "عن المحبة"، ألا وهي الرقم "ثلاثة" الذي فرض سيطرته بقوة على بناء العمل على نحو مثير، فالكاتبة التي تسعى إلى الثأر من فشل علاقتها العاطفية الأخيرة تقسم روايتها إلى ثلاثة أجزاء مختلفة، ومن ناحية أخرى تجاهد في الرواية إلى سبر كنه ثلاث علاقات فاشلة في الحب، وحين تأخذنا في الجزء الثاني من الرواية إلى رحلة عائلية نجدها بصحبة ثلاثة أشقاء لها لكل منهم روحه وشخصيته المتباينة والمختلفة عن الآخر، ناهيك عن الثالوث المقدس الذي ترصده الرواية طوال أحداثها: الحبيب والحبيبة والعاشق، أو بالأحرى: الحبيبة وحبيبتها و.. العاشق الكامن في السر!!
ملاحظة أخيرة أجد أنها على قدر كبير من الأهمية في بناء عمل "ماسينج" الجديد "عن المحبة"، ألا وهي الرقم "ثلاثة" الذي فرض سيطرته بقوة على بناء العمل على نحو مثير، فالكاتبة التي تسعى إلى الثأر من فشل علاقتها العاطفية الأخيرة تقسم روايتها إلى ثلاثة أجزاء مختلفة، ومن ناحية أخرى تجاهد في الرواية إلى سبر كنه ثلاث علاقات فاشلة في الحب، وحين تأخذنا في الجزء الثاني من الرواية إلى رحلة عائلية نجدها بصحبة ثلاثة أشقاء لها لكل منهم روحه وشخصيته المتباينة والمختلفة عن الآخر، ناهيك عن الثالوث المقدس الذي ترصده الرواية طوال أحداثها: الحبيب والحبيبة والعاشق، أو بالأحرى: الحبيبة وحبيبتها و.. العاشق الكامن في السر!!
و.. أيضاً جائزة
لم تمر أشهر قليلة على صدور هذه الرواية، حتى أعلن في العاصمة الهولندية أمستردام عن فوزها بجائزة الـ"آكو - Ako"، وعللت لجنة التحكيم قرارها بمنح الرواية الجائزة التي تعتبر من أرفع جوائر الأدب المكتوب باللغة الهولندية بأن الرواية تمثل عملاً فريداً يرصد العديد من العلائق بوتيرة شفافة من النادر أن نجدها اليوم في كتاب واحد، فمن علاقة حب امرأة بامرأة أخرى، إلى رصد لعلاقة أخت بأشقائها الرجال، إلى رصد نفسي أخر لعلاقة الصداقة في خضم ما يحيط بنا اليوم من عوائق وتكنولوجيا وأمور جعلتنا نسكن إلى البرودة بعيداً عن مثل هذه العلائق والراوابط الإنسانية الحميمة.
ويضيف قرار لجنة التحكيم أن الرواية: "وإن كانت كتبت بغلِّ امرأة تواجه خيانة حبيبتها، وهجرانها لها، وبرغبتها الواضحة في التخلص من عار الخيانة، إلا أنها قدمت لنا حساً بارداً من الفكاهة والمرح والسخرية الذاتية، وأيضاً قدمت لنا راوية لا يشغلها إلا سؤال الحب في حياتها".
يذكر أن جائزة الـ"آكو" الأدبية تقدم إلى عمل روائي مكتوب في اللغة الهولندية كل عام، حيث فازت رواية "عن المحبة" لكاتبتها "دوشكا ماسينج" متفوقة على 345 رواية باللغة الهولندية. وتسلمت الكاتبة الجائزة التي أعلنت في برنامج تليفزيوني يبث على الهواء، وشيكاً مالياً قدره 50,000 أورو.
ويضيف قرار لجنة التحكيم أن الرواية: "وإن كانت كتبت بغلِّ امرأة تواجه خيانة حبيبتها، وهجرانها لها، وبرغبتها الواضحة في التخلص من عار الخيانة، إلا أنها قدمت لنا حساً بارداً من الفكاهة والمرح والسخرية الذاتية، وأيضاً قدمت لنا راوية لا يشغلها إلا سؤال الحب في حياتها".
يذكر أن جائزة الـ"آكو" الأدبية تقدم إلى عمل روائي مكتوب في اللغة الهولندية كل عام، حيث فازت رواية "عن المحبة" لكاتبتها "دوشكا ماسينج" متفوقة على 345 رواية باللغة الهولندية. وتسلمت الكاتبة الجائزة التي أعلنت في برنامج تليفزيوني يبث على الهواء، وشيكاً مالياً قدره 50,000 أورو.
مقطع من الرواية
السؤال الوحيد الذي سيطر عليَّ هو: كيف تكون امرأة مثل "چولا" التي منذ مراهقتها وهي تهتم بالنساء وليس بالرجال، تصبح هكذا فجأة مزدوجة الاهتمام الجنسي، كان هذا السؤال ثقيلاً على روحي وعقلي بشكل لا يمكنني تحمّله، أدركت أنني لا أستطيع فهم عديد من الأمور في هذا العالم، هل مثلاً كان سيحدث فرق ما لو أننا كنا نمارس الجنس بشكل يومي كما لو كنا لبوتين تعتصران بعضهما البعض تخلصا من شهوتيهما الناريتين، ربما يكون التعدد الجنسي لدى الفتيات في سنوات مراهقتهن ناتج مثلاً من خوفهن الباطن من العنف الجنسي مع الرجال؟ مع استثنائي كحالة مخلصة للشذوذ الجنسي.
ربما أكون قد نمت فعلاً، وفي نومي شعرت بيدي "يوري فيرمير" وهي تدلك ظهري، أخيراً أحصل على أول اتصال جسدي وتفاهم بيننا، كنت نشوانة، كل أعضاء جسدي في هذا الحلم ذابت وتجسَّدت في رغبة واشتياق لما هو أكثر، لم أستطع عمل ضفتين لمياه رغبتي فازدادت وأغرقتني، حاولت أن أشغِّل عقلي بأسرع من حواسي، لكن عقلي كان في آخر درجة من درجات سلَّم حواسي، وجدت فيضاناً آخر يكبر فيَّ ويجعلني لا أسمع ولا أرى شيئاً آخر سواه، أمواج عالية رفعتني فوقها وجعلتني أشعر أنني أحلِّق عالياً فوق مساحات بيضاء وكفَّي "يوري فيرمير" تمس وتختبر كل موضع منِّي.
أكملي أيتها الكف، أكملي، ها أنت أخيراً هنا، كم من الوقت انتظرتك، صلي المسافات البعيدة بين مسامي، لكن النور الخفيف الذي فتحت عيني عليه من حلمي كسرني تماماً وخلفني شظايا فوق الشاطئ الأبيض.
هل فعلاً صرنا غير مبالين بالحياة، نحن الذين مات الكثيرون منا مبكراً؟ من بين جميع من عرفتهنَّ، كانت "ليسا" أكثر من افتقدتها، كنا أفضل صديقتين لبضعة أعوام قليلة، لكن صداقتنا كانت عميقة، الوحيدة التي دعمتني بروحها الشفوقة في حزني على "مارد"، ولم يكن هناك سواها من يستطيع أن يضحكني حتى أتزلزل، كانت أبنة أحد الصُّناع اليهود الأثرياء، كانت تدعوه "دادي"، كأميرة يهودية صغيرة بالفعل، حين حصلت على حصَّتها من ميراث والدها استأجرت جناحاً فاخراً لمدة عامين في فندق "شيللر" المطل على ميدان "رمبراندت"، واستقبلت فيه جميع معارفها استقبالاً ملكياً، وحين نفذت نقودها ولم تعد تملك شيئاً، صارت أفقر شخص عرفته في حياتي، هي التي لم تدرس شيئاً ولم تمتهن شيئاً طوال حياتها، وبرغم ذلك كانت دائماً سعيدة وابتسامتها مشرقة، بشفتين حمراوتين كالنار من أثر أحمر شفاهها الأرجواني، وبشالاتها الجديدة والثمينة دائماً، والتي كانت تسرقها من محل "باين كورف" باهظ الثمن، المرة الوحيدة التي قبلتني فيها على شفتي، خلفتني مصعوقة، كنت مسحورة من كيفية تحريك لسانها اللاهي بنهم بين شفتي الجافتين.
نقلاً عن العدد الثاني من مجلة انزياحات اليمنية
أنتويربن - بلجيكا
ربما أكون قد نمت فعلاً، وفي نومي شعرت بيدي "يوري فيرمير" وهي تدلك ظهري، أخيراً أحصل على أول اتصال جسدي وتفاهم بيننا، كنت نشوانة، كل أعضاء جسدي في هذا الحلم ذابت وتجسَّدت في رغبة واشتياق لما هو أكثر، لم أستطع عمل ضفتين لمياه رغبتي فازدادت وأغرقتني، حاولت أن أشغِّل عقلي بأسرع من حواسي، لكن عقلي كان في آخر درجة من درجات سلَّم حواسي، وجدت فيضاناً آخر يكبر فيَّ ويجعلني لا أسمع ولا أرى شيئاً آخر سواه، أمواج عالية رفعتني فوقها وجعلتني أشعر أنني أحلِّق عالياً فوق مساحات بيضاء وكفَّي "يوري فيرمير" تمس وتختبر كل موضع منِّي.
أكملي أيتها الكف، أكملي، ها أنت أخيراً هنا، كم من الوقت انتظرتك، صلي المسافات البعيدة بين مسامي، لكن النور الخفيف الذي فتحت عيني عليه من حلمي كسرني تماماً وخلفني شظايا فوق الشاطئ الأبيض.
هل فعلاً صرنا غير مبالين بالحياة، نحن الذين مات الكثيرون منا مبكراً؟ من بين جميع من عرفتهنَّ، كانت "ليسا" أكثر من افتقدتها، كنا أفضل صديقتين لبضعة أعوام قليلة، لكن صداقتنا كانت عميقة، الوحيدة التي دعمتني بروحها الشفوقة في حزني على "مارد"، ولم يكن هناك سواها من يستطيع أن يضحكني حتى أتزلزل، كانت أبنة أحد الصُّناع اليهود الأثرياء، كانت تدعوه "دادي"، كأميرة يهودية صغيرة بالفعل، حين حصلت على حصَّتها من ميراث والدها استأجرت جناحاً فاخراً لمدة عامين في فندق "شيللر" المطل على ميدان "رمبراندت"، واستقبلت فيه جميع معارفها استقبالاً ملكياً، وحين نفذت نقودها ولم تعد تملك شيئاً، صارت أفقر شخص عرفته في حياتي، هي التي لم تدرس شيئاً ولم تمتهن شيئاً طوال حياتها، وبرغم ذلك كانت دائماً سعيدة وابتسامتها مشرقة، بشفتين حمراوتين كالنار من أثر أحمر شفاهها الأرجواني، وبشالاتها الجديدة والثمينة دائماً، والتي كانت تسرقها من محل "باين كورف" باهظ الثمن، المرة الوحيدة التي قبلتني فيها على شفتي، خلفتني مصعوقة، كنت مسحورة من كيفية تحريك لسانها اللاهي بنهم بين شفتي الجافتين.
نقلاً عن العدد الثاني من مجلة انزياحات اليمنية
أنتويربن - بلجيكا







