شذرات قصصية
من سلالم الصدى..
على مدارج الشباب حلمت بسندباد الحكايا وبواخر تنوس قناديلها آن الرحيل.
وقّعت على بيان لحرية الماء والنار والهواء والتراب. منعوها من السفر، وأجبروها على تأمل سحنتها في قيعان الالتياع، فضيّعت معالم حلمها الغارب في بحران الاسترزاق اليومي.
* * * *
ارتقبَتْ طلوع القمر، سارت متمهلة بلباس كشافة أبيض، اجتازت الكواليس وسن البلوغ.
أرادت الخروج إلى خشبة المسرح، طالبوها بالحجاب.. أرفأت إلى حجرتها وغطت رأسها.
بدت الصالة وكأنها شبه خاوية، حين بزغَتْ من نقطة تلاشي خطوط المنظور، وأدّت دورها الدرامي.. وتكشّفَتْ عن امرأة سافرة في عراء الموحيات الركحي.
* * * *
كفّنَتْ عينيها مراراً رغم حدوسها بوجود سكين في الماء. أواخر الشتاء تقطّعت جذور الحياة بينهما، وتبدّت لها أرض يباب. مالت لوداع ظلها على جدران بيته القبويّ قبل أن تنشر قلوعها. تفوه على مسمعها مقرظاً بأنها أرخص امرأة رافقها، وتوارى خلف مواربة أوراقه النقديّة، ارتبكت أمام رجوم بؤس فلسفته، عادت لغرز إبرة التطريز في قطيفة شراعها متابعة مرتسمات الصمت، ولم تصغ إلا لوقع خطواتها حتى أعلى درجة في السلّم ليذوب في ضوضاء الشارع القريب.
* * * *
ذاع صيت الجنيّة الصغيرة المسحورة بمزج الألوان وسرحات ريشة الرسم.
دفع بها أصحاب الرأي والمشورة إلى المسابقات الوطنيّة والدوليّة، فبهرت النقاد لأنها لم تكن طفلة ترسم ما تعرف، أو حتى ما ترى، بل لملكتها في تصوّر عوالم مستقبليّة التكوين.
أمام مروج القماش وآماد الورق كانت بواكير مخيلتها تنزف الصور: باهتة الأضواء، مهولة الظلال، وممسوخة الأطياف.
* * * *
أتمت مكياجها، ألقت الشال على كتفيها العاريين، وخرجت إلى ليل الأسى الربيعي.
أملت على سائق التكسي العنوان التقريبي الذي تنشده، لمع وميض الإلفة في عيني المرآة، خاطبها بالأستاذة وخواطره تجنح به نحو قصيدته المعشقة بالزجاج الملون، والتي خطّها لمدرّسته الشابة أوائل القرن. تململت في لجج مقعدها، ردّت عليه بأنها رمت بوق المكبرات، وتساءلت إن كان أتم دراسة الحقوق، فهز رأسه بينما ميزان الزمان يتسمّر معصوب العينين في فضاء الآمال.
كان صوت الآذان يتعالى حين مدّت له يدها، ترك مقود السيارة واستدار نحوها بلهفة العائد، فاندفعت العجلات إلى لزوجة أفق الموت الأزرق في الهاوية.
* * * *
عشقت التصوير الفوتوغرافي، شغفت به، ولاحقته على الطرقات وفي البيوت.
صوّرت تقعّرات الوقت والتقطت دقائق الدهر. حفظتها في مجموعاتها التصويرية في الألبومات والعلب، وعلقت مختارات الصور على حائط غرفتها، وصفّت آلات التصوير على الرفوف الجداريّة.
مع تعاقب الأيام، أحاطت بها الصور من كل الجهات، وحين جلست إلى طاولتها تطلعت إليها عيون الكاميرات، فأضحت موضوع صورة بين صورها في سرابيّة الخلفيّة.
* * * *
تعثرت خطواتها بنسيم زهيرات الليمون، فتقافزت ضفائرها المعقودة بحرير الليل ونداء الريح.
أصخت بكليتها لما كان يتمشى في عروقها. استجابت، وبقدم غرائزها تخطّت قواعد لعبة حجلتها المرسومة بالطباشير على الرصيف، وانفلتت أمامه تتواثب بتواطؤ تباشير مراهقة لم تحلّ جدائل طفولتها بعد.
* * * *
تعرفت عليه وأحبته، رغب أن يساكنها شرايينه ومفارقات الطرق البريّة، إلا أن الأزرق البحريّ ما انفك يشير لها، وأقاليم البياض تناديها في كريستال الأفق البعيد.
أُسقِط في يده، غطى وجهه الشاحب، وأطبق بجفنه على الدمعة الطافرة. نهضت من مكانها، مشت ثلاث خطوات وغابت وراء الباب، ولم تعد إلا مع رعش الذكرى.
* * * *
تداعت من أرصفة الليل نفحات منعشة، فأخذَتْها مسارب الصُدَف العابرة من يدها.
جلسَتْ على المقعد الجلدي الأخضر، أزاحت ستارة الدانتيل عن بلور النافذة في المقهى، رنت لوجوه المارة المطموسة وارتعاش الضوء المغسول بالمطر. ليس ببعيد عنها، رجلٌ أصغى لتراجيع صمتها، احتضن كوبه، نهض من ضواحي الغواية، وجالسها مائدتها الرخامية.
مجّت لفافتها، تصفحت وجه الماء، وتقاسمت معه الوقت وزنجيّة صوت بيللي هوليدي. وفي ساعة متأخرة عبرت برفقته الشارع المرتشح من الظلال، وغابت معه خلف الباب. تعرّت بين يديه، شدها إليه ولاحقها من الداخل، فتعانق الجسدان.
مسحَتْ بغلالة شهوتها وجهه المجهول، واجتلَتْ "أيقونته الحقيقية" بعينين يعلوهما برزخ معقود لقيامة تصل عبث الأرض بهوة سماءٍ سابعة.
* * * *
كانت الأجواء الدراميّة تنذر بعاصفة نكراء، حين جرجرت ابنتها ملابسات الواقعة إلى الذروة في دور الخادمة.
صفع واقع التمثيلية التلفزيونية السيدة الأم، تندّت عيناها الكهفيتان بالعبرات، وتهدّج صوتها واختنق ومات على شفتيها. صباح اليوم التالي جرجرت قدميها خفية عن الجيران، توجهت إلى منزل ابنتها، وقرّعتها لاستغلال تسامحها في احتراف التمثيل بعار تجاوزها الجدران، وقبول أداء دور امرأة رثّة تخدم في البيوت، وهي سليلة الحسب والنسب.. ملاك المزارع والدور.
* * * *
شنّفت الآذان بزرقة غنائها في ليل المسرح القمري.
وآن استغرق صوتها في إغماضة المدى ران السكون قبل أن تنتفض الصالة بالتصفيق.
أجمع مريدوها على أنه لا معنى لإكسير صوتها دون صمت يمور.. لا يهدأ، إلا ليتعملق ويعيد إلحاحه لغرف المزيد.
* * * *
*كاتبة من سوريا
وقّعت على بيان لحرية الماء والنار والهواء والتراب. منعوها من السفر، وأجبروها على تأمل سحنتها في قيعان الالتياع، فضيّعت معالم حلمها الغارب في بحران الاسترزاق اليومي.
* * * *
ارتقبَتْ طلوع القمر، سارت متمهلة بلباس كشافة أبيض، اجتازت الكواليس وسن البلوغ.
أرادت الخروج إلى خشبة المسرح، طالبوها بالحجاب.. أرفأت إلى حجرتها وغطت رأسها.
بدت الصالة وكأنها شبه خاوية، حين بزغَتْ من نقطة تلاشي خطوط المنظور، وأدّت دورها الدرامي.. وتكشّفَتْ عن امرأة سافرة في عراء الموحيات الركحي.
* * * *
كفّنَتْ عينيها مراراً رغم حدوسها بوجود سكين في الماء. أواخر الشتاء تقطّعت جذور الحياة بينهما، وتبدّت لها أرض يباب. مالت لوداع ظلها على جدران بيته القبويّ قبل أن تنشر قلوعها. تفوه على مسمعها مقرظاً بأنها أرخص امرأة رافقها، وتوارى خلف مواربة أوراقه النقديّة، ارتبكت أمام رجوم بؤس فلسفته، عادت لغرز إبرة التطريز في قطيفة شراعها متابعة مرتسمات الصمت، ولم تصغ إلا لوقع خطواتها حتى أعلى درجة في السلّم ليذوب في ضوضاء الشارع القريب.
* * * *
ذاع صيت الجنيّة الصغيرة المسحورة بمزج الألوان وسرحات ريشة الرسم.
دفع بها أصحاب الرأي والمشورة إلى المسابقات الوطنيّة والدوليّة، فبهرت النقاد لأنها لم تكن طفلة ترسم ما تعرف، أو حتى ما ترى، بل لملكتها في تصوّر عوالم مستقبليّة التكوين.
أمام مروج القماش وآماد الورق كانت بواكير مخيلتها تنزف الصور: باهتة الأضواء، مهولة الظلال، وممسوخة الأطياف.
* * * *
أتمت مكياجها، ألقت الشال على كتفيها العاريين، وخرجت إلى ليل الأسى الربيعي.
أملت على سائق التكسي العنوان التقريبي الذي تنشده، لمع وميض الإلفة في عيني المرآة، خاطبها بالأستاذة وخواطره تجنح به نحو قصيدته المعشقة بالزجاج الملون، والتي خطّها لمدرّسته الشابة أوائل القرن. تململت في لجج مقعدها، ردّت عليه بأنها رمت بوق المكبرات، وتساءلت إن كان أتم دراسة الحقوق، فهز رأسه بينما ميزان الزمان يتسمّر معصوب العينين في فضاء الآمال.
كان صوت الآذان يتعالى حين مدّت له يدها، ترك مقود السيارة واستدار نحوها بلهفة العائد، فاندفعت العجلات إلى لزوجة أفق الموت الأزرق في الهاوية.
* * * *
عشقت التصوير الفوتوغرافي، شغفت به، ولاحقته على الطرقات وفي البيوت.
صوّرت تقعّرات الوقت والتقطت دقائق الدهر. حفظتها في مجموعاتها التصويرية في الألبومات والعلب، وعلقت مختارات الصور على حائط غرفتها، وصفّت آلات التصوير على الرفوف الجداريّة.
مع تعاقب الأيام، أحاطت بها الصور من كل الجهات، وحين جلست إلى طاولتها تطلعت إليها عيون الكاميرات، فأضحت موضوع صورة بين صورها في سرابيّة الخلفيّة.
* * * *
تعثرت خطواتها بنسيم زهيرات الليمون، فتقافزت ضفائرها المعقودة بحرير الليل ونداء الريح.
أصخت بكليتها لما كان يتمشى في عروقها. استجابت، وبقدم غرائزها تخطّت قواعد لعبة حجلتها المرسومة بالطباشير على الرصيف، وانفلتت أمامه تتواثب بتواطؤ تباشير مراهقة لم تحلّ جدائل طفولتها بعد.
* * * *
تعرفت عليه وأحبته، رغب أن يساكنها شرايينه ومفارقات الطرق البريّة، إلا أن الأزرق البحريّ ما انفك يشير لها، وأقاليم البياض تناديها في كريستال الأفق البعيد.
أُسقِط في يده، غطى وجهه الشاحب، وأطبق بجفنه على الدمعة الطافرة. نهضت من مكانها، مشت ثلاث خطوات وغابت وراء الباب، ولم تعد إلا مع رعش الذكرى.
* * * *
تداعت من أرصفة الليل نفحات منعشة، فأخذَتْها مسارب الصُدَف العابرة من يدها.
جلسَتْ على المقعد الجلدي الأخضر، أزاحت ستارة الدانتيل عن بلور النافذة في المقهى، رنت لوجوه المارة المطموسة وارتعاش الضوء المغسول بالمطر. ليس ببعيد عنها، رجلٌ أصغى لتراجيع صمتها، احتضن كوبه، نهض من ضواحي الغواية، وجالسها مائدتها الرخامية.
مجّت لفافتها، تصفحت وجه الماء، وتقاسمت معه الوقت وزنجيّة صوت بيللي هوليدي. وفي ساعة متأخرة عبرت برفقته الشارع المرتشح من الظلال، وغابت معه خلف الباب. تعرّت بين يديه، شدها إليه ولاحقها من الداخل، فتعانق الجسدان.
مسحَتْ بغلالة شهوتها وجهه المجهول، واجتلَتْ "أيقونته الحقيقية" بعينين يعلوهما برزخ معقود لقيامة تصل عبث الأرض بهوة سماءٍ سابعة.
* * * *
كانت الأجواء الدراميّة تنذر بعاصفة نكراء، حين جرجرت ابنتها ملابسات الواقعة إلى الذروة في دور الخادمة.
صفع واقع التمثيلية التلفزيونية السيدة الأم، تندّت عيناها الكهفيتان بالعبرات، وتهدّج صوتها واختنق ومات على شفتيها. صباح اليوم التالي جرجرت قدميها خفية عن الجيران، توجهت إلى منزل ابنتها، وقرّعتها لاستغلال تسامحها في احتراف التمثيل بعار تجاوزها الجدران، وقبول أداء دور امرأة رثّة تخدم في البيوت، وهي سليلة الحسب والنسب.. ملاك المزارع والدور.
* * * *
شنّفت الآذان بزرقة غنائها في ليل المسرح القمري.
وآن استغرق صوتها في إغماضة المدى ران السكون قبل أن تنتفض الصالة بالتصفيق.
أجمع مريدوها على أنه لا معنى لإكسير صوتها دون صمت يمور.. لا يهدأ، إلا ليتعملق ويعيد إلحاحه لغرف المزيد.
* * * *
*كاتبة من سوريا







