فصل من رواية "مليون قطعة صغيرة": جيمس فراي
"انه كسر لا يمكن ابدا لحمه. انه مليون قطعة صغيرة". بهذه العبارة يبدو وكأن الكاتب الامريكي جيمس فراي يلخص تجربة التشظي المثلى التي يتمحور حولها كتابه "مليون قطعة صغيرة" والصادر عام 2003. قدم فراي كتابه على انه يوميات ومذكرات سجل فيها تجربته الذاتية مع ادمان الكحول والمخدرات منذ مراهقته المبكرة وحياة العبث والضياع التي عاشها وتورطه بعدة جرائم جعلته مطلوبا في اكثر من ولاية، ثم خضوعه للعلاج في مصح مع وصف دقيق وباسلوب خاص جدا، بدا انه نابع من هستيريا الادمان، لمسيرة الجلجلة التي قطعها فراي بين الادمان المزمن والشفاء منه مرورا بآلام من ينزع جلده. لاقى الكتاب اقبالا شديدا، واصبح من الكتب الاكثر مبيعا في امريكا، واستضافته اوبرا ويمفري في يرنامجها التلفزيوني باعتباره تجربة حية ودليلا من لحم ودم على مزدوجة الضعف المتناهي والقوة في النفس البشرية. لكن المفاجأة التي اعتبرها النقاد فضيحة في عالم الكتابة والنشر، كانت الاكتشاف ان فراي اختلق في الواقع احداثا وحكايات كثيرة وساقها في الكتاب على انها جزء من تجربته الشخصية، وهو بذلك خدع القراء وفقد مصداقيته هو والناشر.
الكتاب ليس موزعا على فصول.. وهو مقسم فقط الى ما يشبه اربعة اقسام، وغاص بوصف وانفعالات وتكرارات وكأن فراي يصب هذيانه المحموم على الورق.
هنا جزء مختار من الكتاب يبدأ بحوار يجري في المصح بين فراي وزميل له على وشك المغادرة.
ناديا شومان
الكتاب ليس موزعا على فصول.. وهو مقسم فقط الى ما يشبه اربعة اقسام، وغاص بوصف وانفعالات وتكرارات وكأن فراي يصب هذيانه المحموم على الورق.
هنا جزء مختار من الكتاب يبدأ بحوار يجري في المصح بين فراي وزميل له على وشك المغادرة.
ناديا شومان
مليون قطعة صغيرة
- ألست تكذب؟
-لا، انا لا أكذب
نظر الي، غاص بيده في احد الاكياس واخرج بطاقة وقلماً:
- اتفعل شيئا لاجلي جيمس؟
- بالتأكيد
بدأ يكتب على البطاقة: -
- عندما تخرج من هنا، هل يمكنك ان تتصل بإبنتي؟
-سبق ان قلت لي هذا، لا تعيده جون
- لا.. ليس ذلك. ومد لي البطاقة
- تستطيع ان تهاتفها وتخبرها اني هذه المرة بذلت فعلا كل ما بوسعي، كل ما استطعت. تخبرها اني اتمنى ان اكون ذا قيمة اكبر عندها، واني لست بالرجل العاطل جدا الذي يصوره لها الناس، كل الناس.
اخذت البطاقة، وتأملت جون قائلا: جون انك تشرفني
- واذا حدث يوما ان وجدت في نفس المدينة، ربما تدعوها الى العشاء. او ...
قطع كلامه وعاد الى البكاء. - كن لطيفا معها، ثم...
لم يستطع ان يتمالك، انه يبكي كصبي صغير هش
- وقل لها اني آسف، آسف الى اقصى درجة.
مددت ذراعي، ضممته الصقته بي وتركته يبكي، ويبكي، ويبكي، فدفعني عنه وطلب مني ان ادعه وحده.
التفت ناحيته وانا خارج من الغرفة، كان رأسه مدفونا في وسادته، وسمعته يبكي وينتحب، ويكرر: لا .. لا ..لا.
تركته يواجه مصيره وتأكدت وانا اقصد مكان خدمتي ان بطاقته بأمان في عمق حبيبي، سأتصل بإبنته حين اغادر المكان سأقول لها ان اباها رجل طيب. قد لا تصدقني، وقد لا استطيع اقناعها بتغيير رأيها، لكني سأقول لها ذلك.
المكان مكتظ والرجال ينتظرون جون ووارن للاحتفال بتخريجهما. لا اريد ان احضر، ولا ان اشارك في هذا الحفل، لقد ودعتهما مسبقا، لذلك سأخرج وسأتنزه وكالبارحة كان كل ما ارجوه هو النسيان. يستحيل ان انسى هذا اليوم، ادركت ذلك منذ توغلت في الغابة. لقد اجتاحني الغضب وجرف كل انفعال فيّ، كل عاطفة من عواطفي كل فكرة من افكاري، وانا سأدعه يتكفل بها ويبيدها. حزني تحول الى سخط عارم، وهدوئي تحول الى حاجة يائسة. وددت لو ادمر كل ما اراه وما لا استطيع تدميره ان اقهره وادخله في طاعتي. كان ذلك يتصاعد مع كل خطوة، السخط والحاجة، السخط والحاجة، والسخط والحاجة. اريد ان أتجرع كأسا، اريد ان اجرع خمسين كأسا، اريد ان اجرع زجاجة كحول من اكثر الانواع صفاء واقواها تأثيرا، واشدها تدميرا واعظمها خطرا على الارض. اريد منها خمسين زجاجة اريد شيئا متميزا، اصفر مقطرا ومحشوا بالفورمول اريد جبلا من المخدرات لأتنشقها، خمسمئة نشافة حمض، كيس قاذورات طافح باللقطاء، وانبوب غراء اكثر ضخامة من شاحنة، بحيرة من البنزين تكفي لاغراقي. انا بحاجة، بحاجة بأشد الحاجة للحصول على اشياء تكفيني لألغي، لاضيّع، لأخنق هذا الوجود القذر. اعطني الظلمة الاشد حلكة، السواد الاكثر سوادا، الاعمق بين الاشد عمقا، الافظع والاعتم بين الحفر، بيت البغاء بين اعضاء الرجال، اذهب عني ضعني في هذه الحفرة العاهرة.
تركت الدرب وتوغلت في الغابة الكثيفة المثلجة. ارتجف، قلبي يدق حتى ليكاد ينفجر، ضغطت على قبضتي وضغطت على اسناني. قدماي تركلان الغصينات وتسحقان الشجيرات ويداي تزيحان كل ما اجد امامي. صوت تقصيف وتكسير، شيء مدمر، "كراك بوم كراك.." يملأني غضبا، يخرجني عن طوري ، يغريني بتحطيم اكثر، بتدمير اكبر، بتخريب كل شيء. اريد ان ادمر كل شيء وفي كل مكان. اريد ان ادمر كل شيء.. يا فاجرة.
اجتزت دغلا كثيفا من شجيرات دائمة الاوراق، وتوجهت نحو فرجة ضيقة ومستديرة، توقفت عن السير، عن الركل، عن ازاحة الاغصان، اغمضت عيني وتنشقت دفقة كبيرة من الهواء آملا ان تهدئني، لكن الحال لم يكن كذلك. تنشقت المزيد، ولكن عبثا تنشقت ايضا، ولكن عبثا، تنشقت ايضا، ولكن عبثا ايضا، ولكن عبثا ايضا، ولكن عبثا. اريد ان اهدأ لكني لا اجد الهدوء. لماذا انا هنا، لماذا انا هنا، في هذا المكان وفي هذا اليوم، وبهذا الاحساس، بهذه المشكلة، بهذا المستقبل، بهذه القصة؟ لماذا هذه الحياة الكريهة، التالفة، هذا الوحل من حياة تالفة فاسدة لا نفع منها لماذا؟ منذ خمس عشرة دقيقة كنت اضم بين ذراعي نموذجا يبكي لأنه يخاف الرجوع الى العالم، تناولت فطوري بين نوعين من البشر لديهما خوف غامض مشترك، احدهما كاتب شهير وهارب انتكس مرارا، وشبح من خمس وخمسين كيلو غراما كان بطل العالم في الوزن الخفيف. اعطوني كتاب تلوين وقالوا انه يساعد على اعادة تأهيلي. استفرغت كما تعودت ان افعل في كل صباح ابن كلب ولم اتقدم. عمري ثلاثة وعشرون عاما، وانا كحولي مدمن منذ عشر سنوات ومدمن مخدرات من زمن يعادله تقريبا، وانا مطلوب في ثلاث ولايات، ولاجئ هنا في جهة ما من عمق مينوسوتا، وبي لهفة للشرب واخذ حقنة، ولم اعد اقوى علي السيطرة على نفسي. عمري ثلاث وعشرون سنة.
اتنفس، ارتعش، احس ان الأمر آت. الغضب، الحاجة، الكدر الندامات، الكره، العار، كلها انصهرت في غضبة مهيبة جميلة، فخمة، مخيفة، متكاملة. لم اعد اقوى على كبح جماحها. لم اعد اسيطر على غضبي كل ما استطيع فعله هو ان ادعه يتزحلق اليّ لتأتي هذه القذرة، وقد اتت فعلا.
وصلت الى شجرة، التصقت بها. وانطلقت زاعقا، ضاربا، مقصفا، مخرمشا، منتزعا، ممزقا، مؤربا، قالعا، محطما. ازأر وأحطم، ازأر وأحطم. كانت شجيرة صنوبر صغيرة وكنت قادرا على قلعها، انتزعتها من جذعها الغصون وحولتها الى فتات، قذفتها على الارض وطفقت اثب فوقها، اثب فوقها، اثب فوقها حتى لم يعد ثمة اغصان. سمعت صوتا، هاجمت الجذع كان نحيلا فقصمته الى نصفين، سمعت صوتا فصممت اذني وقذفت بالجذع المحطم فوق الاغصان، بقي نصفه مزروعا في الارض، اسمع صوتا، اريد ان انزع النصف الباقي من الارض العاهرة، قبضت عليه واخذت اجذب، اجذب، واجذب، واجذب ولم يتحرك قيد انملة، وسمعت صوتا فصممت اذني، اتابع السحب،أزأر اسحب هذا الجذع لا يتحرك، واريد ان اقضي عليه. تخليت عنه، هناك صوت صممت اذني واخذت ارفسه بقدمي والصوت يقول: توقف، توقف، توقف.
التفتُّ. شعر طويل خرنوبي وعينان لهما زرقة صافية، عميقة، وبشرة بيضاء شاحبة وشفتان حمراوان كالدم. انها صغيرة القامة، رقيقة، وتعبة ومهترئة. كانت تقف امامي: - ماذا تفعل؟ كنت اتنزه، رأيتك فتبعتك.
- ماذا تريدين؟
- اريدك ان تتوقف
تنفست بقوة، نظرت اليها بقسوة، كنت متوترا ومستعدا للنهش. لا تزال بقية من الشجرة للتحطيم، واريد ان اتم تحطيم شجرة الجحيم هذه... ابتسمت، تقدمت خطوة ناحيتي، وفتحت ذراعيها. تنفست بقوة ونظرت اليها بقسوة، مشدودا ومستعدا للنهش. لفت ذراعيها حولي وانسابت يدها وراء رأسي، جذبتني الى ذراعيها، ضمتني وقالت: ستسير الامور.
تنفست بقوة، اغمضت عيني واسلمتها نفسي: ستسير الامور
هدأني صوتها وأدفأتني ذراعاها وأراحني عبيرها، شعرت بقلبها ينبض، وهدأ قلبي وتوقفت عن الارتعاش، وتلاشى غضبي بين ذراعيها، ضمتني وقالت:
- ستسير الامور، ستسير الامور، ستسير الامور
أمر آخر حدث. شعرت نفسي ضعيفا، خائفا، وهشا. لا اريد ان يصيبني ضرر نفسي. الشعور الذي ينتابني حين اعلم ان ضررا يتهددني هو ضرر اشد عمقا واشد هولا بكثير من الالم الجسدي، واناضل باستمرار لاسيطر عليه واوقفه، لكن صوتها يهدئني، ذراعاها تدفئاني وعبيرها ينعشني. شعرت بقلبها ينبض، ولو انها حلت ذراعيها من حولي لسقطت ارضا. امام ذراعيها المفتوحتين وقوتها اللطيفة سفرت عن نفسها كل الرغبات والندامات والضيق والكره والعار. كان البكاء يأتي امواجا، والامواج تصعد من اعمق اعماق ذاتي، من اعمقها. ضممتها بشدة، وشددت هي ضمها لي اكثر، فتركت نفسي، تركتها، وحررت احساسا لم اذقه قط في حياتي بأني مجروح، فأنا منذ تجاوزت العاشرة من عمري لم اسمح لنفسي ان اعترف قط بأني قابل للجراح، ولست ادري لماذا اصررت انني لا يمكن ان اعترف بهذا سابقا، ولماذا افعله الآن. كل ما اعرفه هو ان الامور جرت هكذا، وان ما بي هو الاشد رعبا، الاشد هولا، انه الاسوأ والافضل بين كل المشاعر التي عرفتها في حياتي، وهو اني ابكي بين ذراعيها، بكل بساطة ابكي بين ذراعيها، بكل بساطة، ابكي بكل بساطة. جذبتني نحو الارض لكنها لم تطلقني. الصمامات مشرعة، وثلاث عشرة سنة من الخنوع، من العنف، من الجحيم خرجت من داخلي ومعها كل شيء آخر، خرجت بفقاعات ضخمة، بنشيج عنيف، بلهاث، بشعور عميق بالضياع. الضياع يسكنني، يملأني يكتسحني، انه ضياع طفولة، ضياع يفاع، انه ضياع السعادة الطبيعية، ضياع الحب والثقة وكل ما يحمل لنا معنى الله والعائلة والاصدقاء والمستقبل، والسعي والكرامة والانسانية والرشد، وكل شيء، كل شيء، كل شيء. لقد اضعت كل شيء، اضعت نفسي، تحولت الى كتلة من الحداد مشوهة وحزينة، جريحة، يائسة ومحطمة. انا ضائع، اضعت نفسي وفقدت كل شيء، كل شيء. كل شيء مبلل، وليلي تهدهدني كطفل محطم، وجهي وكتفها وقميصها وشعرها كلها مغموسة بدموعي. هدأت، اصبحت اتنفس بلطف وعمق، شعرها ذو عبير حلو، فتحت عيني ولم اعد ارى سواه. شعر فاحم كالغراب ازرق تقريبا يلتمع بالبلل أود لمسه، مددت يدي الى قمة رأسها وطفت بها نزولا على عنقها وظهرها الى خاصرتيها، وامسكت خصلة رفيعة منه بنعومة بين اصابعي، كنت افتقدها حين اتركها تنزلق. كررت ذلك ايضا وايضا وليلي مستسلمة لا تقول شيئا، قانعة بهدهدتي لأنني محطم. انا محطم، محطم.
هناك ضجيج واصوات. شددت ليلي عناقي اكثر فاكثر، وانا شددت عناقها اكثر فاكثر، احسست بقلبها يدق، واعرف انها احست بقلبي يدق، وتحدث القلبان، قلبانا تحدثا بلغة ميتة، مجهولة، خرساء وصادقة، تعانقنا، وتكاتفنا. اقتربت الضجة واصبحت الاصوات اوضح، وليلي تهمس: ستسير الامور، ستسير الامور، ستسير الامور.
ارخت عناقها وارخيت عناقي. نهضت ليلي، اما انا فبقيت جالسا على الارض، فنظرت اليّ:
- يجب ان اذهب.
لم اغادرها بنظري، قالت:
- سأهاتفك بعد قليل
لم اغادرها بنظري.
- الى اللقاء.
لم اغادرها بنظري، توجهت الى الناحية الاخرى من بقعتنا في الغابة وقبيل خروجها منها، التفتت ثم توارت في الدغل. اسمع وقع خطواتها المنتظمة، خطواتها لطيفة، اسمع صوتها، صوتها لطيف. لبثت جالسا وتنفست، لبثت جالسا انظر، انا وحيد ، ضائع، محطم، انظر الى العوسج، وحيد ضائع محطم.
غابت الشمس اقبل البرد، هبط الليل، انا متعب، مضنى، مستنزف تماما. بذلت جهدا حتى استطعت الوقوف، مشيت عبر الغابة حتى وجدت دربا فتركت الدرب يقودني. قدماي ثقيلتان، جسدي متعب، وقلبي ينبض بطيئا، بطيئا، بطيئا. كل ما علي ان امشي نحو مئة متر، ولكني خلت نفسي اطوف حول الارض. يجب ان استجمع قواي لافتح الباب. دخلت، اجتزت دائرة الخدمات وذهبت الى غرفتي. وجدت كل متاعي، اشيائي الجديدة الجميلة مكدسة على مقعد قرب سريري. نشطني هذا المشهد مؤقتا الى ان وجدت رسالة فوق تلة الملابس، اخذتها ، فتحتها، قرأتها. كانت من كين يقول فيها انه بعد حديثنا نقلوني الى غرفة جديدة وذكر لي رقمها في الرسالة.
اخذت ثيابي وكتبي، ممتلكاتي الوحيدة في هذا العالم وخرجت. اتخذت طريقي في الاروقة المحيطة بمركز الخدمات باحثا عن غرفتي الجديدة. وجدتها: الباب مغلق وذراعاي محملتان. فتحته بركلة من قدمي ودخلت. كانت الغرفة اصغر من السابقة لكنهما متطابقتان في الفرش. كان بها سريران، وعلى جانب منها الحمام. على احد السريرين كان رجل اسود في الاربعين من عمره لم تسبق لي رؤيته ممدد هناك. رمقني بنظرة وقال:
- معظم الناس يقرعون الباب قبل ان يلجوا الغرفة كانت لهجته ممطوطة كثيرا كلهجة اهل الجنوب.
- كنت اجهل ان ثمة احدا في الغرفة. وتوجهت نحو السرير الخال مع ذلك كان بإمكانك ان تقرع الباب.
جلست: - آسف
وبدأت ارتب اغراض.
- هل ستقيم هنا؟
- نعم
- ما اسمك؟
-جيمس
- اهلا جيمس، انا ميلز
- مثل ميلز ديفيد؟
- تماما مثل ميلز ديفيد
- تماما؟
- بلى
- اسمك ميلز ديفيد؟
- بلى
ضحكت: - وتنفخ في البوق؟
- لا، اعزف على المزمار، واشار بأصبعه الى غطاء اسود صغير قرب السرير على الارض.
كنت اعزف على البوق حين كنت اصغر سنا، ولكن عندما اصبح ميلز الاخر شهيرا تحولت عنه، اصبح الامر ثقيلا.
روائية ومترجمة سورية، اللاذقية
nadashoman@hotmail.com







