أمّي أتيتُ لأَنام
فما عليَّ من كسر النوم ، تراكمَ حتى انشقَّ في الصدغِ واد
لا يردمه إشفاق سبَّابةٍ تهالكت من الرعش ، ولا اعتصار جبينٍ ناكسة.
إِبّر النعاس الرَّشيقات كما إبرك في اللحاف ، خرَّفت مقلتي ، مرِّي بأصابعك على جفوني
لن أفطن إلى أنها تضاءلت إلى حجم الكف الأزرق معلّقاً هنالك ، على عاتقي في المهاد
مدِّي لي فِراشي نفسه ، لن أخالس في طيَّاته صُرَرَ نقودك وأطواق الخرز
وسِّديني مخدَّتي التي جزَزْتِها من صوف عرسك ، وطرَّزْتِها بالفراشات والحجل
لن يحسَّ خدِّي بأنَّ حريرها ترهَّل ، ونزحت ألوانه في سماء الزيرقون
غنِّي لي فلن أنتبه لما نسيتِ من الكلمات ، ولا لخلل القوافي
فكلُّ ما يتهادى على سمعي ، صرير سريري الخشبيّ يضبط عتاباتك الرخيمة
وينهض في حقول الرّوح ، يحمل عنِّي هذي المنامات الكابسة على صدري كعفاريت الحكايات
احكي لي ، حتى ولو غفلت ، لا تتوقفي عن خدَر الخيالات
احرسي بأنفاسك ما تبقى واضحاً مني تحت غطائك الوثير
شدِّي على شبَّاكنا الشرقيّ أكياس الطحين ، استريني من سياط الشمس
أمي نسيتُ الفطور فلا تفركي الزعتر البريّ على طبق القشّ ، فسوف يوقظني برائحته الأخَّاذة إلى الحبل
أتيتُ لأنام ،
لا لأرى قامتكِ صارت أقصر من حبال غسيلك حتى تنشري جواربي على حجر الجبّ، والمخمل الذي كان كلَّما عتق عليك حلا ، صار فضفاضاً على نهديك وتراجَعَتْ ورداته إلى بقعٍ كالحة ، وزنَّاره صار يضيق على خصرك كأنَّما ليقطعه .
لا لأٌحصي على تعدادك الذين ماتوا ، والذين خانهم الحظ ، وسنوات غيابي ، واللواتي فقدنَ الأمل ،
ولا شيء يزداد منكِ غير الدمع .
لا لأَرى أحفاد ضرَّتك ، والأغصان التي نبتت في شجرة التوت ، والخيبة البادية على السّروة
ومطرح الأرجوحة الحافرُ في ذراع الجوزة جرحاً حتى النسغ .
لا لِتسأليني ، من أين لي هذا الشخير المسموع حتى مفْرَق رحيلي ، وهذا الـ الذي يكاد يوقظ المخفر
وهذا الضجيج تحت أسناني كرحىً تطحن الجلبان ، ومن أين لي هذا الشيب البازغ حتى في الأهداب وهذا الصَّمت الذي ما كان لجدّي ، حين عطَّله الفتاق عن ترقيصِ البواريد وحَدوِِ الجياد ،
لا لأرى حصوَتي التي أسندتِ إليها خابيتك قد أعشبت ، وخيوط حذائي الأول ما تزال تتدلَّى على كتفي مرآتك كجديلتين ، وأنَّ الجوريّة التي باسمي قد أغلقت جهة بكاملها وصارت مهابط للحمام ، وأنَّ أسناني اللبنية ما تزال تخشخش في جرة الودع ، وأنَّ حروف إملائي الأول قد جرَّت كل هذا الياسمين على الحائط الغربي! ، أو أرى دفَّة المطبخ وقد تناحَل فيها الخشب ، وما عادت تكفي لأعلو بها وأتلقَّفَ طُعمةَ الجارة وبريد ابنتها .
أمي أتيتُ لأنام
هل ما عاد بوسعه أن يتحمَّل ظهرك ثقل الأمانة حتى لوَّحت لي بمفتاح الخزانة ، برَّاقاً وقد استّبدَلتِ بخيطه القنَّب زردة ًمن الفضة ، وكعادتك تقرئين ما بين أضلاعي ، أوارِبُ فتمضين بأصابعي تماماً كما في الحبوِ ، أفتحها ينهمر الورق ويندلع البكاء