(0)
تتساقطُ الأحلامُ عن شجرةِ الجسدْ.. تترنَّحُ الأمنياتُ فاردةً ذراعيها لتحتضنَ هاويةٍ تليقُ بانكسارِها الأبديّْ. ساعي البريد هو الوحيد الذي لم يفقد الذاكرة، يطلّ علينا وحيداً تماماً، ليخبرنا أنّ ما نعيشه الآن، ليس حرباً، ولا يتقاطع مع الحروب التي يعيشها البشرُ حينَ يقعون فريسةً لمحتلّ جاء لهم من كتب التاريخ، وارتدي جلداً فيزيائيّاً وجلسَ أسفلَ كرمَةِ العنب التي تغوصُ جذورَها في كفّ فلاحٍ فلسطينيّ تماماً.


كذلك يُخْبِرنا ساعي البريد أنّ ما نعيشه الآن، لا يشبه حروباً تاريخيّة، امتلأت كتبُ التاريخ بها، وبتفاصيلها الفجّة.
إننا نعيشُ حرباً شعريّة.. بعيداً عن المجاز. هي حربُنا نحنُ وحدنا. حربنا الشعريّة. لن ينطلي على أحدٍ أننا نمسِكُ بالكلمات وبالمجاميع الشعريّة؛ لنتحصّن بها. وكذلك نحن هنا لا ننتظر قصيدةَ هجاءٍ تسقط علينا من علوٍ لتجعل الطفلَ يسبحُ في دمه البهيّ.
مثلاً: سقطَ أكثر من ستين شهيداً بسبب "قوسِ قزح". وتلاشت قرى عن الوجودِ بسبب "السورِ الواقي". وانفرطَ عقدُ مناطق أخرى وسقط عدد آخر من الشهداء بسبب "الوهجِ البرتقالي".. وكذلك فعل "العلاجُ الجذري" بآخرين.. وآخرين!
التراكيبُ بين الأقواس، هي أسماء العمليات العسكريّة. ولكنني أكادُ أصعقُ حينَ أعود بذاكرتي إلى آيار قبل عامين، لأجدَ أنّ "قوسَ قزح" قَتَلَ ستين فلسطينيّاً..
قوس قزح القاتل!
كيف يمكن أن أحبّ ألوانه السبعة الغافية في سماءٍ خَدِرَةٍ بسبب مطرٍ خفيف.. وهو القاتلُ بجدارة!
 
(1)
الموجةُ تترنَّحُ، تهتزُّ الطرقُ بعنفٍ حين تَخرج عن مسارِها الطبيعي.. قال الساعي، إنه أمسكَ موجةً -ذات ليلٍ- تحتضنُ عمارةً سكنيّة ساحليّة، قيل إنها هربَتْ من البحر المرّْ!
كثيراً ما جلستُ أمامَ بحر غزّة. ولا أعرفُ لماذا أسأل نفسي الآن، عن النوارس، النورسُ ابنُ البحر. حينَ يشعرُ البحرُ بالملل، ويقررُ أن يرحلَ من مكانٍ إلى آخرٍ، يفعل النورسُ مثلَه. يحملُ جبّته، ويكدِّسُ أحلامه الزرقاء، ويرحلُ مع البحر. الآن فقط أسأل، لماذا لا أرى النوارس تحلِّقُ فوقَ بحرِ غزّة..
السؤالُ هنا، ليسَ سؤالاً شعريّاً. أو اسقاطيّاً ذا دلالة. فأنا بالفعل. نادراً ما أرى النوارس تحلِّقُ فوق بحرِ غزّة.
 
(0)
مثلَ أحجار الدومينو، حينَ يسقطُ أوّلها تتداعى باقي الحجارة، ويبقى آخرها ينتظرُ لحظة معانقة الأرضِ له. ينتظرُ قَلِقاً، متوتّراً، ومنْكسِراً..
يبدو أنّ حزنَنا لا لونَ له. وأنّ فراغَنا الحاليّ أكثر قداسة من أيّ فراغٍ آخر. وربما جاءَ شاعرٌ فلسطيني، وقال إنّه يعيشُ في الهامش، وأنّ الهامش هو المنطقة التي يمكنُ من خلالِها تأمّلَ المكانَ أكثر، ليندمجَ مع الطبيعةِ في رقصَةِ الحياةِ أسرع. ربما قال ذلك. لكنّ الهامِشَ بات أكثر اتساعاً. وأصبحَت الورقة البيضاء ترتَعِشُ من أمطارٍ صيفيّة، تبللها، وتهتكُ نسيجَها المقدّس.
 
(1)
أُمْسِكُ رأسيَ الآن، أرْغِمُ ذاكرتي على الإجابة.. هل كانت إحدى عمليات جيش الاحتلال، موسومة بـ "الكرة المتدحرجة".. أظنُّ أنها جاءت بعد "حقل الأشواك"، أو ربما بعد "مياه راكدة"، أو قبل "رحلة بالألوان".
لكنني لا أتذكر جيداً في أيّ مدينة فلسطينية سقطت كرتهم المتدحرجة. ولم أعد أذكر أين زرعوا حقلَ أشواكهم.. لكنّ ذاكرتي ستضغطُ عليّ في المستقبل حين سأصفُ مياه الأمطار في شوارع المخيم بالراكدة. سيصبحُ لساني يتطابقُ مع لسان جندي إسرائيليّ تسأله أمه ماذا فعلت اليوم، ليخبرها أنه انطلقَ لتنفيذ عمليّة "مياه راكدة"، وللمصادفة السوداء، فقد قُتلَ طفل فلسطيني شاحب كان يغوص بقدميه العاريتين في بركة مياه راكدة أمام بيته الشاحب، وسط شارعه الشاحب
 
(0)
- متى تعودُ الكهرباء إلى غزّة؟
- حين تنتهي "أمطار الصيف"!
 
شاعر فلسطيني - غزة