جهاد صُعيليك: دعوني أعترف بداية أنني اشعر هذه الأيام بدرجة من الشماتة المُفرحة والتشفّي المُريح.. فقد انقشعت تلك الفقاعة التي حاول البعض تسميتها أزمة ديون دبي أو انهيار دبي وما إلى ذلك من تسميات ملأوا بها الدنيا قبل شهر من الآن.. هل تذكرون كيف كانوا يتسابقون في اختيار العناوين المضللة والتقارير الملوثة وحتى إضافة تفاصيل ما أنزل الله بها من سلطان..

الآن يجلسون كالأرامل السوداوات بين من يعتاشُ على وهم أن "فقّاعة دبي" ستنفجر يوما (ناسيا أن غيره ظلوا ينتظرون هذا الوهم منذ عقود طوال)، ومن يحاولُ لملمةَ بقايا مصداقيته فيقول أن أزمة الديون تبخرت فجأة...(!) وبين من يكتشف متأخراً أن معلوماته عن دبي ككل كانت صفراً أن لم يكن أقل، مثل ذلك المتذاكي الذي كتب منتقداً حكومة دبي لأنها أغلقتْ ميناء جبل علي واتجهت للمتأجرة بالعقارات.. "شاطر يا رُوح أمك"!

لكن ما هي الحكاية؟ كيف صمدتْ دُبي ولم تهتز رغم كل الصياح والضجيج والخزعبلات التي سمعتم؟ عاتبني أحد الأصدقاء أنني لم أكتب وقت اشتداد الزَّعيق، فقلت له أن السببَ بسيطٌ وهو أن دبي تملك من المقومات ما يجعل حتى الزعيق الذي سمعناه يتحولُ إلى صالحها لا ضدها، على قاعدة أن الدعاية السيئة هي في المحصلة عند من يعرف كيف يدير الأمور تتحول إلى دعاية إيجابية. ولعل هذا هو بالضبط ما رمى إليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حين قال رداً على سؤال صحفي أن حجم هذه الحملة والضجة الإعلامية يوضح مدى أهمية دبي ومكانتها. في النهاية، وحدها الشجرة المثمرة هي من يتلقى الحجارة!

بشكل عام، هنالك بعض الحقائق التي لا بد لأي مُتابع أن يتذكرها عند الحكم على دبي، سواء كان هنالك أزمة ديون على واحدة من شركاتها أم لا. وهذه الحقائق أريد أن أوجهها بشكل أساسي إلى نوعية من القراء الذي يُهلعون بسرعة وهم أصحابُ رؤوس المال الذين يستثمرون في دبي بشكل عام والمستثمرون في الأسواق المالية بشكل خاص.

هذه الحقائق، معروفة لكل من يعرف كيف يستخدم عقله، وليست سراً ولا ابتكاراً، لكنها تحتاج إلى إدراك المنطق الذي تعمل على أساسه منظومةُ دبي بشكل عام. دعونا نراجع معا الأسباب الخمسة الرئيسة التي جعلت دبي تقف متينة في وجه الحملة الإعلامية الأخيرة ودعونا نتذكر أنها الأسباب ذاتها التي ستجعلها بإذن الله متينة في وجه أي حملات مماثلة.

1- دبي لم تولد عام 2002
إحدى أكثر المقولات الجاهلة انتشاراً عن دبي، والتي تكشف فعلا مدى جهل بعض الكتاب والإعلاميين، الحديث المتكرر عن أن قصة دبي بدأت عام 2002 وأنّ نجاحها الاقتصادي بدأ في ذلك العام. نعم، هنالك حقيقة تتمثل في أن الفورة العمرانية في دبي بدأت قرابة ذلك العام، ولكن تلك الفورة العمرانية كانت نتيجة لنجاح دبي وليست سببا فيها. أما اقتصاد دبي، المتنوع والغني والراسخ، فبدأ قبل ذلك بزمن طويل ومازال صحياً وقوياً ومتنوعاً.

منطقة جبل علي الحرة مثلا ومدينتُها الصناعية هما الآن الأقل تأثراً في منطقة الخليج بالأزمة العالمية، ومعظم التأثر فيهما مرتبط بالتباطؤ الحاصل في الأسواق التصديرية. ومع ذلك فإن أرقام ومعدلات المناولة والتوسع في أسواق التصدير وإعادة التصدير لا تشير إلى وجود أزمة بل إلى العكس من ذلك تماما. ويمكن قول شيء مماثل عن المنطقة الحرة لمطار دبي الدولي التي تمثل مركزاً استراتيجيا لعمليات الدعم اللوجستي الجوية لقطاع واسع من الشركات العالمية التي تعمل في الإقليم الممتد من جنوب آسيا وشبه القارة الهندية إلى غرب إفريقيا.

قطاع المعارض وسياحة الحوافز والذي أصبح منذ أواسطِ التسعينيات من مصادر الدخل الأساسية للإمارة يمثل قصة نجاح أخرى تكتب فصولها يوميا. فقد سجّلت نسبةٌ كبيرةٌ من المعارض المتخصصة نموا أو على الأقل حافظت على معدلات ما قبل الأزمة، ومن يطّلع على أجندة حجوزات صالات العرض في مركز دبي العالمي للمعارض ومركز معارض مطار دبي يفاجأ بأنها محجوزة بشكل كامل لأكثر من عامين قادمين. وعلى عكس ما كان متوقعا، فإن هنالك زيادة في عدد المعارض الجديدة التي يتم تسجيلها. ولا بد من التذكير هنا أن عددا غير قليل من المعارض الكبرى مازال مستمرا بنجاح تلو آخر منذ الثمانينيات، مثل معرض دبي للطيران ومعرض جيتكس وغيرهما.

وإذا كنت لم تسمع بدبي إلا بعد عام 2002، فهذا يعني أنك لا تعرف أن هذه المدينة هي عاصمة تقنية المعلومات في الشرق الأوسط ووسط آسيا وإفريقيا منذ ما يقارب العقدين من الزمن. أحد مديري الشركات العالمية يقول أنه منذ أوائل التسعينيات، فإن أي حاسوب (شخصي أو مؤسسي) بيع في هذه المنطقة على اتساعها لا بد أن يكون مر كليا أو جزئيا بدبي. ويمكن الآن قول الشيء نفسه عن مختلف صنوف الإلكترونيات الاستهلاكية ومنتجات تقنية المعلومات والاتصالات الشخصية والمؤسسية والتقنيات الحديثة على اختلاف مستوياتها. شخصيا فوجئت عندما سمعت المعلومة التالية، ولكنني بعد استقصاء أكثر من جهة تأكدتُ أنها صحيحة؛ ذلك أنه إذا بيعَ هاتفٌ نقالٌ اليوم في غينيا بيساو مثلا، تكون هنالك جهةٌ ما في دبي شريكةً في الربح!!

أما إذا كنت تعتقد أن دبي عبارة عن غابة من الرافعات الإنشائية فقط، فدعني أحدثك عن طيران الإمارات التي تدفع لخزينة حكومة دبي سنويا أرباحا تتجاوز 100 مليون دولار، رغم أن إجمالي حجم الاستثمارات التي دفعتها حكومة دبي منذ تأسيس الشركة عام 1985 حتى الآن لم يزد عن تلك العشرة ملايين دولار التي تأسست بها الشركة.

ماذا يعني كل هذا؟ معناه ببساطة أنه لو توقفت كل الفورة العمرانية التي بدأت عام 2002، أو على الأصح أنهت عملها لأنك تبدأ المشاريع لكي تنهيها وليس لكي تستمر في إعمارها إلى الأبد، أقول لو توقفت هذه الفورة فإن اقتصاد دبي بشكله الأساسي ومكوناته الإستراتيجية لن يتأثر كثيرا؛ لأن هذه الفورة العمرانية وُضعت في مدار القيمة المضافة على الاقتصاد، وليس في هيكله الأساسي. لم تتحول أبدا الفورة العمرانية إلى ركن رئيسي في اقتصاد دبي، وإنما كانت دائما قيمة مضافة تهدف لخدمة الاقتصاد نفسه، سواء بما ستوفره من بنية تحتية تسمح له بالتوسع المدروس والناضج والطموح، أو بما توفره خلال فترة التعمير من تنشيط لمرافق وقطاعات اقتصادية مختلفة... لكنها لم تصبح أبداً بديلا للاقتصاد نفسه. دبي تعمّر لهدف، ولذلك لا يصبح التعمير هو الهدف.

وتستحق الذكر هنا عبارة قرأتها في دراسة عن استراتيجيات اقتصاد دبي، أعدها اثنان من أساتذة كلية هارفارد للأعمال ونشرت عام 2007. يقول مايكل ماتلي ولورا ديلون: "يزعم البعض أن نجاح دبي عائد إلى ضربة حظ، ولكننا نرد على ذلك بالقول أن نجاح دبي يسير على مسار واضح منذ أكثر من 30 عاما. قد تكون معدلات النمو في السنوات الأخيرة مفاجئة، لكن النمو والنجاح ليسا مفاجأة".

2 - دبي العالمية ليست حكومة دبي
شركة دبي العالمية شركة كبيرة وضخمة تضم تحت جناحها ما يزيد على التسعين شركة متعنقدة منها في قطاعات مختلفة وأكثريتها شركات غير مدينة وتحقق أرباحا، لكن هذه الشركة على ضخامتها ليست حكومة دبي، وليست إمارة دبي كما أنها بالطبع ليست الشركة الوحيدة في دبي، بل وليست الشركة الأكبر.

هنالك حقيقةٌ غابت في خضم الزعيق الإعلامي الأخير.. فشركة دبي العالمية، سواء كشركة أم أو كشركات متعنقدة منها، لم تكن معرضة للانهيار أو الخسارة، أو حتى توقّف العمل.. شركة موانئ دبي مثلا لا تزال تدير كل الموانئ التي تعاقدت على إدارتها حول العالم وبنفس جودة الأداء المعروفة، ولم يسجل توقف أي منها أو تراجع أدائه بسبب هذه الضجة. ورغم كل هذه الأزمة العالمية، مازال ترتيب "موانئ دبي" بين شركات إدارة وتشغيل الموانئ عالميا هو رقم 3 على مستوى العالم، ورقم 1 في المنطقة الممتدة بين أستراليا والكاريبي.

بيد أن كل هذه الإنجازات والشركات المتعنقدة لا تغير من حقيقة الأمر شيئا، فنحن نتحدث عن شركة لها أنشطة تجارية معينة وتمتلك أصولا محددة، لكنها ليست كل شيء في دبي. فمثلا هذه الشركة لا تمتلك ميناء جبل علي، ولا حتى المنطقة الحرة ولا ميناء راشد... هذه ممتلكات لحكومة دبي.

لماذا من المهم أن نلاحظ هذا الاختلاف؟ ليس فقط للرد على التخريص الإعلامي الذي خلط بين ديون شركة دبي العالمية والتزامات حكومة دبي، وإنما للإشارة إلى الدور الذي تلعبه حكومة دبي كمحرك للتنمية والاقتصاد ومنظم للعمليات الاقتصادية والتجارية والحياتية... الحكومات وليس الشركات هي التي تقوم بالتنمية وهي التي تحمي الاستثمارات وتيسر أعمالها، بكل ما يعنيه ذلك من متطلبات.

هذا أولا، أما ثانيا فعلينا أن نتذكر أن الحكومات هي التي تلعب دور شبكة الأمان، عندما تفشل الشركات، وليس بالضرورة أن تكون شبكة الأمان مالية. لذلك عندما ننظر إلى الضجة الأخيرة، نقول أن أداء حكومة دبي كحكومة مسؤولة ساهم في امتصاص الآثار السلبية لحملة التضخيم والتهويل، خاصة وأنه مبني على تاريخ من الثقة المتبادلة بين القطاعات الاقتصادية المختلفة وقيادة وحكومة دبي.

هنالك ميزتان مضافتان لطريقة تعامل حكومة دبي مع الأعمال؛ تتمثل الأولى في بناء جسور الثقة المتواصلة مع الشركات والمؤسسات الاقتصادية المختلفة والتعامل معها باعتبارها شريكة في البناء، فيما تتمثل الثانية في اعتبار دور الحكومة هو "خلق" الفرص للقطاع الخاص. وإذا كانت هاتان الميزتان مبتكرتين وخلاقتين في الأيام العادية، فإن لهما مفعول السحر في الأوقات غير العادية.

3- اقتصاد دبي متنوع وغير مقتصر على النفط والفورة العقارية
أعرف أن هذه العبارة قد تبدو مكررة في نظر البعض، لكنني أوردتها هنا لسبب محدد. النفط الذي ذبحونا من كثرة ما ذكروا لنا بأن دبي تعتمد عليه لا يشكل أكثر من 3% من ميزانية حكومتها، وحصته ككل في مجمل الأنشطة الاقتصادية في دبي (خاصة في ظل وجود بورصة دبي للنفط وقطاع صناعي تحويلي نشط في إعادة التصدير) لا تزيد عن 7% من اقتصاد دبي. وسأستفزكم هنا بحقيقة بسيطة تتمثل في أن الخطط الإستراتيجية لاقتصاد دبي منذ بدء تصدير النفط عام 1966 كانت دائما تتصرف على أساس أن مخزون دبي النفطي سينتهي عام 2010. بل أن خطة دبي الإستراتيجية حتى عام 2015 لا تكاد تتطرق له.

أما الفورة العقارية فهي من ناحية عملية لا تزيد عن 10% من الحجم الكلي لاقتصاد دبي، بل ولا تمثل المرتبة الأولى في الخطط المستقبلية للإمارة التي وضعت الصناعة في مقدمة أهدافها الإستراتيجية للعقد القادم كمكون رئيسي للاقتصاد (19%) يليها كل من القطاع التجاري والقطاع المالي والمصرفي. وهذه قضية متوقعة وطبيعية خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه من منظور اقتصادي بحت، تعد الفورة العقارية محلية العائدات (باستثناء عائدات مشاريع إعمار وبعض شركات دبي القابضة خارج الدولة) أما بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى فتتوزع عائدات دبي منها على كامل المنطقة الجغرافية التي تخدمها الإمارة.

هذا هو بالضبط ما نقصده بالتنوع، لأن السياسة الحكيمة التي اتبعها الشيخ محمد، ومن قبله والده المغفور له بإذن الله الشيخ راشد، تعني أن لا تكون دبي أسيرة لنشاط اقتصادي واحد، وكذلك أن لا تكون أسيرة لموقع جغرافي واحد.

لكن كيف نشأ الاهتمام بالفورة العقارية كنشاط اقتصادي؟ هنالك سببان رئيسيان لذلك: الأول بدهي جدا، يتمثل في أن النمو العقاري ضروري لتوفير البنية التحتية لنمو الأعمال، لأنك لا تجتذب شركات العالم ثم تتركها بدون مكاتب ولا منازل. أما السبب الثاني فهو منطق القيادة الاقتصادية المتبع في معظم الدول في العالم؛ فعندما يكون هنالك نشاط اقتصادي عالي الربحية يتم دعمه وإعطاؤه تفضيلات اقتصادية وإدارية بهدف تعظيم الاستفادة من ربحيته.

أدرك أن نسبة 10% التي ذكرتها قد تفاجئ البعض، لكنني أذكرهم أن قطاع الفورة العقارية في دبي ليس كله محلي الملكية (سواء مواطنين أو مقيمين) فهنالك شركات من دول المنطقة وحتى من كوريا وألمانيا والولايات المتحدة وكندا، وبعضها دخل بمبالغ طائلة تزيد حتى على مساهمة الشركات المحلية. وبالتالي فإن استفادة الاقتصاد الرسمي لدبي وخزينة الحكومة ليست مباشرة من هذه الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

تذكروا هذه العبارة جيدا: الفورة العقارية ضرورية لخطط دبي ونموها ومستقبلها في مختلف الأوجه، ولكنها ليست الخطة الوحيدة لدبي! تذكروا أيضاً أنه عند تقييم اقتصاد، لا يجوز التركيز على أحد مكوناته والتعامل معه وكأنه كل شيء... اللهم إلا إذا كان الهدف هو تقديم صورة مضللة!

4- دبي مؤهلة أكثر من غيرها للتعافي الإيجابي من تأثيرات الأزمة المالية العالمية
في كل أزمة اقتصادية، هنالك مسار رئيسي للتعافي الإيجابي، وهو التصدير والعمليات التجارية المرتبطة به مثل إعادة التصدير. لهذا السبب نجد أن الدول التي تعتمد اقتصادياتها على تصدير المنتجات الصناعية والزراعية أقدر على التعافي من الدول المستوردة.

صممت دبي اقتصادها بشكل رئيس على مبدأ المركز الإقليمي Regional Hub، وهو أمر أجادت دبي القيام منذ نشأتها، ولكم أن تتذكروا هنا أن حاكم دبي أصدر عام 1894 مرسوما بإلغاء جميع الضرائب التجارية على التجار من مختلف الجنسيات، وهو المرسوم الذي مازال ساري المفعول حتى اليوم.

وفكرة المركز الإقليمي تعني من ناحية عملية أن اقتصاد هذه المدينة، سواء من منظور صناعي أو خدمي أو تجاري، موجه لخدمة منطقة واسعة ذات احتياجات ضخمة.. وهذا بالضبط ما يجعل قدرة دبي على التعافي الإيجابي من تأثيرات الأزمة المالية العالمية وتجاوزها أفضل بأشواط كثيرة من غيرها من المدن المجاورة.

النتيجة المباشرة لمبدأ المركز الإقليمي، مضافا إليه بالطبع التنوع الغني للأنشطة الاقتصادية، تتمثل في تنوع وغنى الأسواق التي تعتمد على دبي (تصديرا وإعادة تصدير) أو تعتمد عليها دبي (استيرادا)، وبالتالي تعدد قنوات تعافي الاقتصاد سواء عموديا من حيث طبيعة الأنشطة الاقتصادية وقنواتها الربحية أو أفقيا من حيث التوزيع الجغرافي.

هذه الميزة لا تتوفر لأي مدينة أخرى في المنطقة، لكنها ليست مجرد ميزة تفاضلية بالنسبة لدبي وإنما هي ميزة هيكلية. فالمردودات الإيجابية لمنطق المركز الإقليمي تسمح بتغلغل التأثير الإيجابي في أكثر من مجال وقطاع، ما يساعد على انتقال التعافي من مستوى الاقتصاد الكلي إلى الاقتصاد الجزئي بدرجة أشمل وأسرع. وهذا الأمر ليس مرتبطا فقط بفهم دبي للسوق المفتوح، وإنما أيضاً بمستويات التنافسية والشفافية العالية التي توفرها، وهما يعتبران من الشروط الصحية لأي اقتصاد.

5- دبي لديها تاريخ ناجح في تجاوز الأزمات والخروج منها بسلام
في مقالة من 40 صفحة عن الإمارات السبع نشرتها مجلة ناشنوال جيوغرافيك الأمريكية عام 1956، يتوقف الكاتب الأمريكي رونالد كودراي مليّاً عند الطبيعة التجارية لدبي التي لم يكن عدد سكانها عامذاك يزيد عن 15 ألف نسمة. يقول أن البلدة تمثل المركز التجاري للمنطقة وتجد في أسواقها تجارا من المواطنين والعرب والآسيويين والإيرانيين والأفارقة. لكن ما يستوقفني في وصفه لدبي، آنذاك، عبارة بسيطة إذ يقول أن شيئا واحدا لم يتغير في أسواق دبي عبر القرون؛ وهو أنها بقيت دائماً مزدحمةً وتعجّ بالتجار والمشترين. بعد ذلك يروي لنا لقاءَه مع رجل بدوي اسمه مبارك قطع على بعيره أكثر من مئتي ميل (قرابة 322 كيلومتر) ليتسوق في دبي. هل تختلف الأمور الآن؟ الأسواق لا تزال دائماً مزدحمة والناس لا تزال تأتي من أقاصي الأرض. الحمد لله.

حسنا، سؤالي الأهم هو: كم أزمةً كانت دبي قد تخطت آنذاك؟ كانت تلك هي دبي التي تجاوزت بأشواط أزمة اللؤلؤ المعروفة والتي أدت إلى كساد تجاري في منطقة الخليج بعد ظهور اللؤلؤ الصناعي الياباني، وكانت دبي الوحيدة التي لم تتعرض لانهيارٍ اقتصادي؛ بفضل الله ثم بفضل صندوق التحوّط الذي أسسه حاكمها آنذاك الشيخ سعيد (والد الشيخ راشد). وكانت تلك دبي التي تجاوزت تأثيرات ما بعد الحرب العالمية الثانية وأزمة مصدق في إيران.

وهي نفسها دبي التي خرجت من الكساد الكبير الذي حل بالعالم عام 1929-1930 أقوى لتتحول بعد ذلك إلى مركز التجارة وإعادة التصدير للمنطقة ككل، معلنة في أوائل الثلاثينيات عن أول ميناء يعمل بمفهوم المنطقة التجارية الحرة خارج أوروبا وأمريكا.

هي نفسها دبي التي تجاوزت التأثيرات القاتلة للحرب العراقية الإيرانية وما تبعها من تحويل الخليج العربي كله إلى بحيرة عمليات عسكرية على مدار 8 سنوات، ثم بعد ذلك أزمة حرب الخليج الثانية عام 1990-1991، والحرب الأخيرة عام 2003.

هذه الـ "دبي" تجيد مصافحة الأزمات في الطريق دون أن تسمح لها بتعطيلها، فلديها أشغال أهم من الانشغال بالأزمات العارضة، خاصة إذا كانت مضخمة أو مصطنعة. لكننا لا نتحدث عن العواطف هنا، فتجاوز الأزمة يحتاج إلى تخطيطٍ وعملٍ دؤوب وأفكار مبتكرة وناضجة. ادرسوا كيف تجاوزت دبي مثلا الأزمة التي اُفتعلت حول شراء شركة بي أند أو البريطانية عام 2005-2006 وخاصة الشق المتعلق بإدارة موانئ أمريكية.. فقد خرجت الإمارة منها بنجاحات استثمارية مهمة يبدو أن صحافة مردوخ لا تريد أن تغفرها لها أبدا.

تمتلك دبي تاريخا غنيا من التعامل الناجح مع الأزمات وتجاوزها، وخبرة عملية في الاستفادة منها وتحويلها إلى فرص، لذلك من حقي هنا أن أسأل: ماذا سيختلف هذه المرة؟

الرسالة الأهم
لم أهدف من هذه الحقائق إلى إعطاء دروس في التاريخ أو الاقتصاد، وإنما التذكير ببعض الحقائق التي نعرفها جميعا. لذلك أعيد توجيه هذه الرسالة إلى الجميع لأطالبهم قبل غيرهم بأن يستخدموا عقولهم وبشكل جيد. خذوا الضجة الأخيرة مثلا حول طلب تأجيل دفعات قروض مستحقة على شركة دبي العالمية لعدة شهور.. ألم تواجهكم حالة مثل ذلك في حياتكم العملية وحتى الشخصية؟ لماذا لم تفلسوا؟

كانت هنالك بيانات رسمية والكثير من الأخبار المغلوطة... مثل الادعاء أن دبي كإمارة هي المَدينة أو أن كل شركات دبي طلبت تأجيل الديون وما إلى ذلك من تخرصات أو التلاعب بالأرقام بتجميع كل ديون شركات دبي فيما الحديث يدور عن أقل من ربع المبلغ المتداول، ترى من صدقتم؟

صحيح أنه كانت هنالك حالة من التهويل والتضخيم بشكل غير مسبوق، لكن الصحيح أيضاً أن هنالك تراثا قديما وتقليدا عريقا في هذه الإمارة يمنع مسؤوليها من التصريح بأشياء غير صحيحة، وبإمكانكم مراجعة أية تصريحات تتذكرونها وقارنوها بما أثبتته الوقائع بعد ذلك (أقول الوقائع، وليس الشائعات). وهذا هو بالضبط ما ينبغي أن يكون في حسبانكم عندما تستمعون لأية موجة إشاعات ممكنة. تذكروا أن الإشاعات والتهويل والتضخيم أصبحت وسيلة العاجز للمنافسة هذه الأيام.

الخلاصة مختصر مفيد: لو كنت من أبناء دبي، وأنا من أبنائها بإذن الله، لوضعتُ على "بمبر" سيارتي لاصقاً يقول: أشبَعونا شتما... وفُـزنا بالإبل