ترجمة: خالد الجبيلي
بدأ الأب يدخل غرفة نوم ابنه خلسة، ويمضي فيها ساعات طويلة، محاولاً أن يعثر على دليل أو أثر ما. وما أثار حيرته أن غرفة علي أضحت نظيفة ومرتبة. فبدلاً من أكوام الثياب، وأكداس الكتب ومضارب الكريكت وألعاب الفيديو، بدأت الغرفة تبدو أكثر نظافة وتنظيماً؛ وبدأت تبرز الأماكن التي كانت عبارة عن فوضى مستحكمة.
في البدء، انتاب بارفيز شعور بالسعادة: إذ بدأ ابنه يتجاوز سن المراهقة. إلا أنه وجد ذات يوم، بجانب سلة القمامة، حقيبة مهترئة لا تضم ألعابه القديمة فقط، بل كذلك أقراص الكمبيوتر، وأشرطة فيديو وكتباً جديدة وملابس عصرية لم يمض على شرائها سوى بضعة أشهر. وبدون تفسير أيضاً، هجر علي صديقته الإنكليزية التي كانت تزوره في معظم الأحيان في البيت. ولم يعد أصدقاؤه القدامى يتصلون به بالهاتف.
ولأسباب لم يفهمها هو نفسه، لم يكن باستطاعة بارفيز أن يثير موضوع تغيّر سلوك علي المفاجئ. وبدأ يدرك أنه أصبح يخشى ابنه قليلاً، الذي أخذ كلامه يزداد حدّة، وبدأت تطول فترات صمته. ومن ملاحظة أبداها بارفيز، "أرى أنك لم تعد تعزف على غيتارك"، انتزع الجواب الغامض، ولكن الحاسم، "هناك أشياء أكثر أهميّة يجب على المرء أن يفعلها".
أحسّ بارفيز بالإجحاف بسبب سلوك ابنه الغريب وغير المعتاد. فهو يعرف جيداً المشاكل والأخطار التي تعرض لها أبناء أصدقائه من بني جلدته الذين يعيشون في إنكلترا. لذلك، بذل جهداً كبيراً، وأمضى ساعات طويلة من أجل ابنه علي، وأنفق مالاً كثيراً، ليسدد تكاليف دراسته المحاسبة. كما اشترى له بدلات جيدة، وكلّ ما يلزمه من كتب بالإضافة إلى جهاز كمبيوتر. ويأتي الآن هذا الصبي ليرمي أغراضه ويرفضها!
وأعقب الغيتار، التلفاز والفيديو وجهاز التسجيل. وسرعان ما أصبحت الغرفة عارية. حتى الجدران الحزينة التي بقيت عليها آثار الصور التي أزالها علي منها.
لم يغمض لبارفيز جفن، وبدأ يعاقر الويسكي، حتى في أثناء العمل. وأدرك أنه يجب أن يناقش هذا الأمر مع شخص يشعر بالتعاطف معه.
يعمل بارفيز سائق سيارة أجرة منذ عشرين عاماً. وكان قد أمضى قرابة نصف هذه الفترة في الشركة التي يعمل فيها الآن. وكان معظم السائقين الآخرين مثله من البنجاب، وكانوا يفضّلون العمل ليلاً، حيث تخلو الطرقات من السيارات، مما يزيد من دخلهم. وكانوا ينامون خلال النهار، للتهرب من زوجاتهم. وكانوا يمضون معظم أوقاتهم في مكتب سائقي سيارات الأجرة، كالفتية، يلعبون الورق، ويتبادلون النكات، ويحكون قصصاً بذيئة، ويتناولون طعامهم معاً، ويتناقشون في أمور السياسة، ويبحثون في مشاكلهم الخاصة.
إلا أن بارفيز كان يخجل من إثارة هذا الموضوع مع أصدقائه. وكان يخشى أيضاً أن يلوموه بسبب التوجه الخاطئ الذي سلكه ابنه، كما كان قد أنحى هو باللائمة على آباء آخرين كان أبناؤهم قد بدأوا يخرجون مع فتيات سيئات، ويهربون من مدارسهم وينضمون إلى عصابات.
ولسنوات كثيرة، كان بارفيز يتباهى أمام السائقين الآخرين كيف أن علياً قد برع في ألعاب الكريكت، والسباحة، وكرة القدم، وكيف أنه كان تلميذاً فطناً مجداً يحصل على أعلى الدرجات في معظم مواده الدراسية. وهل كان كثيراً على علي أن يحصل على عمل جيد الآن، وأن يتزوّج من الفتاة المناسبة، وأن ينشئ عائلة؟ وعندما تأتي تلك اللحظة، سيكون بارفيز قد بلغ قمة السعادة. وعندها فقط تكون أحلامه بالنجاح في إنكلترا قد تحقّقت. لكن أين يكمن الفشل؟
وفي إحدى الليالي، وفيما كان جالساً هو وأصدقاؤه على كراسي مكسورة في مكتب سيارات الأجرة يشاهدون فيلم سلفيستر ستالون، خرج عن صمته.
إذ بدأ بقوله: "لا أستطيع أن أفهم ذلك، فقد بدأت غرفته تفرغ من كلّ شيء، ولم أعد أستطيع أن أكلّمه. ولم تكن علاقتنا علاقة أب وابن - بل كنا كالأخوة! ماذا حلّ به؟ لماذا يعذّبني".
ودفن بارفيز رأسه بين راحتي يديه.
عندما كان يحكي لهم قصته، كانوا يهزون رؤوسهم، وينظر أحدهم إلى الآخر نظرة العارف. ومن نظراتهم المتجهمة والجدية، أدرك بارفيز أنهم كانوا يتفهمون حالته جيداً.
سألهم: "بربكم قولوا لي ماذا يجري!"
كاد ردهم يشي بشيء من النصر. فقد قالوا إنهم يظنون أن هناك خطأ ما. وقد اتضح الأمر الآن. فلا بد أن علي كان يتعاطى المخدرات، ويضطر إلى بيع أغراضه لكي يشتريها. ولهذا السبب كانت غرفة نومه تفرغ يوماً بعد يوم.
"وماذا يجب عليّ أن أفعل إذاً؟"
أشار عليه أصدقاؤه بأن يراقب كل حركة وسكنة يقوم بها علي، وأن يكون حازماً معه، قبل أن يفقد الفتى عقله، أو يتناول جرعة زائدة، أو يرتكب جريمة قتل.
خرج بارفيز مترنحاً ليتنشق هواء الصباح الباكر، وقد تملكه الذعر من صحة ما قالوه له. ابنه - مدمن المخدّرات، القاتل!
لكن مما فرّج عن كربه أنه وجد بيتينا جالسة في سيارته.
كانت المومسات عادة آخر زبائن الليل. وكان سائقو التاكسي يعرفونهن حق المعرفة، وكانوا يقومون غالباً بتوصيلهن إلى أماكن زبائنهن. وعند انتهاء عملهن، كان هؤلاء السائقون ينقلونهن إلى بيوتهن، مع أنهن كنّ يشاركونهم أحياناً في جلسة شراب في المكتب. وكان السائقون يخرجون مع تلك الفتيات بين الحين والآخر. وكانوا يطلقون على ذلك "رُكبة مقابل رُكبة".
كانت بيتينا تعرف بارفيز منذ ثلاث سنوات. وكانت تعيش خارج المدينة. وخلال مشوارها الطويل إلى بيتها، لم تكن بيتينا تجلس في المقعد الخلفي، بل كانت تجلس بجانبه، وكان بارفيز يحدّثها عن حياته وآماله، كما كانت تحدّثه هي عن حياتها وآمالها. وكان أحدهما يرى الآخر في معظم الليالي.
كان يحدّثها عن أشياء لا يمكنه أن يناقشها مع زوجته. وكانت بيتينا تحدّثه دائماً عن الأشياء التي جرت معها خلال تلك الليلة. فقد كان يحبّ أن يعرف أين كانت ومع من. وذات مرة أنقذها من أحد الزبائن العنيفين، ومنذ ذلك الحين، بدأ أحدهما يبدي اهتماماً بالآخر.
ومع أن بيتينا لم تلتق بعلي من قبل، فقد كانت دائماً تسمع عنه. وفي ذلك الوقت المتأخّر من الليل، عندما قال لبيتينا إنه يشكّ في أن علي يتعاطى المخدّرات، لم تصدر حكماً لا على الفتى، ولا على أبيه، لكنها اتخذت مظهراً جدياً، وحدثته عن الأشياء التي يمكن أن يراقبها في ابنه.
قالت: "كلّ شيء يبين في العينين. فقد تكونا شديدتي الاحمرار ومحتقنتين، وقد تتوسع الحدقتان، وقد يبدو شديد التعب. وقد يتعرّق بشدة، أو يتغيّر مزاجه على نحو مفاجئ".
شعر بارفيز بالامتنان. فقد أصبح يعرف الآن ماذا يمكن أن تكون مشكلة الفتى، وأحس بأنه أصبح في حال أفضل. وخيّل إليه أن الأمور لا يمكن أن تبلغ تلك المرحلة من السوء. وقال لنفسه إنه بمساعدة بيتينا، سرعان ما ستنجلي حقائق الأمور.
وأخذ يراقب كلّ لقمة يتناولها الفتى. بدأ يجلس بجانبه كلما أتيحت له الفرصة وينظر في عينيه. وكلما أمكنه ذلك، كان يمسك يد ابنه، ليتأكد من درجة حرارته. وإذا لم يكن الفتى في البيت، كان بارفيز يهرع إلى غرفته، وينظر تحت السجادة، وفي أدراج طاولته، ووراء الخزانة الفارغة، يشمّ، يفتّش، ينقّب. كان يعرف ما يريد أن يبحث عنه: فقد رسمت له بيتينا في مخيلته صوراً عن كبسولات، وحقن، وحبوب، ومسحوق.
وكانت في كلّ ليلة تنتظر أن تسمع منه أخبار ما اكتشفه ورآه.
وبعد بضعة أيام من المراقبة الدؤوبة، أصبح بإمكان بارفيز أن يقول إنه رغم أن الفتى لم يعد يمارس الرياضة، فقد كان يتمتع بصحة جيدة، وعيناه صافيتان. ولم يكن، كما كان يتوقّع أبوه، يجفل من نظراته أو يحاول تفاديها. بل كان الفتى في واقع الحال، متنبهاً ويقظاً ومتوزاناً: فمع أنه كان قد أصبح متجهّماً، لكنه كان شديد اليقظة والانتباه. وكان يرّد على نظرات أبيه الطويلة بنظرة تشي بالانتقاد، بل حتى باللوم، إلى حدّ أنّ بارفيز بدأ يشعر أنه هو المخطئ، لا ابنه.
"وألم تلاحظ شيئاً مختلفاً جسدياً ما عدا ذلك؟" سألته بيتينا.
"لا" فكّر بارفيز لوهلة، "لكنه بدأ يطلق لحيته".
وذات ليلة، وبعد أن جلس مع بيتينا في أحد المقاهي التي تفتح أبوابها طوال الليل، عاد بارفيز إلى البيت في وقت متأخر. وبشيء من التردد، تخلى هو وبيتينا عن تفسيرهما الوحيد، وهي نظرية تعاطيه المخدرات، وذلك لأن بارفيز لم يعثر على شيء يشبه أيّ نوع من المخدّرات في غرفة علي، كما أنه لم يكن يبيع أغراضه، بل كان يلقي بها في القمامة، أو كان يعطيها إلى أشخاص آخرين، أو يتبرع بها إلى مؤسسات خيرية.
عندما كان بارفيز واقفاً في البهو، سمع صوت منبّه ساعة ابنه ينطلق. هرع بارفيز إلى غرفة نومه حيث كانت زوجته لا تزال مستيقظة، تخيط في السرير. طلب منها أن تمكث جالسة، وأن تلزم الصمت، مع أنها لم تنهض ولم تنبس بكلمة. ومن هذا المكان، وهي تنظر إليه بفضول، راح يراقب ابنه من خلال الشقّ في الباب.
دخل علي إلى الحمّام ليغتسل. وعندما عاد إلى غرفته قفز بارفيز إلى البهو، ووضع أذنه على باب غرفة ابنه. تناهى إليه من الداخل صوت همهمة. انتابت بارفيز الحيرة، لكنه شعر بالارتياح. لقد ترسخ لديه هذا الدليل، وراقبه بارفيز في أوقات أخرى. كان الفتى يصلّي، ومن المؤكد أنه كان يصلّي خمس مرات في اليوم عندما يكون في البيت.
كان بارفيز قد نشأ وترعرع في لاهور حيث كان جميع الصبية يحفظون القرآن. ولكي لا يغفو أثناء دراسته، كان الملا يربط خيطاً يتدلى من السقف ويربطه بشعر بارفيز، فإذا سقط رأسه إلى الأمام، كان يصحو على الفور. وبعد هذا الشعور بالمهانة، بدأ بارفيز يتحاشى جميع الأديان. ولم يكن السائقون الآخرون أكثر احتراماً للملالي المحليين منه، بل كانوا في الواقع، يتبادلون النكات عنهم وهم يتنقلون بعماماتهم ولحاهم، ظناً منهم أنه يمكنهم أن يعلّموا الناس كيف يعيشون، فيما كانت عيونهم تطوف على الصبية والبنات الذين يقومون بتعليمهم.
ذكر بارفيز لبيتينا ما اكتشفه. وأبلغ الرجال في مكتب سيارات الأجرة. ولم يفه الأصدقاء الذين كانوا يتوقون لمعرفة حقيقة الأمر بكلمة ولاذوا بالصمت على نحو غريب. فلم يكن بإمكانهم أن يوجهوا اللوم للفتى وإدانته لأنه كان يصلي.
قرّر بارفيز أن يأخذ ليلة إجازة ويخرج مع ابنه، كي يتسنى له أن يناقشه بعض الأمور. كان يريد أن يعرف كيف تسير أموره في الجامعة. وكان يريد أن يحكي له قصصاً عن عائلتهم في باكستان. أما الشيء الذي كان يتوق إلى معرفته أكثر من أي شيء آخر، فهو كيف اكتشف علي "البعد الروحي"، كما وصفته بيتينا.
وفوجئ بارفيز برفض الفتى أن يرافقه، مدعياً أن لديه موعداً. لكن بارفيز أصرّ على موقفه لأنه لا يمكن أن يكون هناك موعد أكثر أهمية من موعد يجمع الابن بأبيه.
وفي اليوم التالي، ذهب بارفيز مباشرة إلى الشارع الذي كانت تقف فيه بيتينا عادة تحت المطر، وتلبس حذاء ذا كعب عال، وتنورة قصيرة، ومعطفاً طويلاً واقياً من المطر، كانت تأمل أن تفتحه عند مرور السيارات.
"اصعدي، اصعدي"، قال لها.
اتجها إلى منطقة ريفية، وتوقف في البقعة حيث تمتد أرض منبسطة لمسافة بضعة أميال ترعى فيها الأيائل البرية والخيول، وحيث كانا، في أيامهما السعيدة، يستلقيان وعيناهما نصف مغمضة، ويقولان: "هذه هي الحياة". أما الآن، فقد كان بارفيز يرتعش، فطوقته بيتينا بذراعيها.
"خبّرني ماذا حدث؟"
"إني أعاني من أسوأ تجربة في حياتي".
وفيما راحت بيتينا تمسّد رأسه، أخبرها بارفيز أنه ذهب هو وعلي إلى أحد المطاعم مساء أمس. وفيما كانا ينظران في قائمة الطعام، أحضر النادل إلى بارفيز، الذي كان يعرفه جيداً، كأس الويسكي المعتاد وكأساً من الماء. كان بارفيز متوتراً وراح يهيئ في عقله سؤالاً يريد أن يطرحه على ابنه. فقد كان يرغب في أن يسأله إن كان قلقاً على امتحاناته الوشيكة. لكنه كان يريد أن يهدئ أعصابه ويسترخي أولاً، فحلّ ربطة عنقه، وأخذ جرعة من كأسه.
وقبل أن يفتح بارفيز فمه، لوى علي وجهه.
قال: "ألا تعرف أن شرب الكحول حرام؟"
"لقد كلمّني بقسوة شديدة"، قال بارفيز لبيتينا. "كنت على وشك أن أوبخه على وقاحته، لكني تمكنت من ضبط أعصابي".
وراح يشرح لعلي بصبر أنه يعمل أكثر من عشر ساعات يومياً منذ سنوات طويلة، وأنه لا توجد لديه متع أو هوايات كثيرة، وأنه لم يأخذ إجازة في حياته. لذلك، فليست جريمة أن يحتسي كأساً عندما كان يشعر بالرغبة في ذلك؟
"لكنه حرام" أجاب الفتى.
هزّ بارفيز كتفيه استهجاناً وقال، "أعرف".
"والقمار أيضاً، ألا تعرف ذلك؟"
"نعم. بالتأكيد، فنحن مجرد بشر؟"
وفي كلّ مرة كان بارفيز يأخذ رشفة من كأسه، كان الولد يجفل، أو يلوي وجهه، مما جعل بارفيز يجرع كأسه بسرعة. وأراد النادل أن يدخل البهجة إلى قلب صديقه، فجلب له كأساً آخر من الويسكي. وعرف بارفيز أنه بدأ يثمل، لكنه لم يستطع أن يتوقف عن الشراب. وارتسمت على وجه علي قسمات فظيعة، مليئة بالاشمئزاز واللوم. بدا وكأنه يكره أباه.
وفي منتصف وجبة الطعام، فقد بارفيز فجأة أعصابه، ورمى صحناً على الأرض. واعترته رغبة شديدة في أن يمزّق القماش على المائدة، لكن الندل والزبائن الآخرين راحوا يحدّقون فيه. فلم يكن يطيق أن يعلمه ابنه "الفرق بين الخطأ والصواب. فهو يعرف جيداً أنه لم يكن رجلاً سيئاً، وأنه يتمتع بضمير حي. ورغم وجود بضعة أشياء كان يخجل منها، إلا أنه كان يعيش حياة محترمة ولائقة بشكل عام.
وسأل علي: "متى كان عندي الوقت لأن أكون شرّيراً؟"
وبصوت رتيب منخفض، قال الفتى إن بارفيز لم يعش، في الواقع، حياة جيدة. فقد كان يخرق أوامر لا تحصى من القرآن.
"أعطني مثالاً" سأل بارفيز.
لم يكن علي بحاجة لمزيد من الوقت ليفّكر. وكما لو أنه كان ينتظر هذه اللحظة، سأل أباه إن لم يكن يجد متعة في تناول فطائر لحم الخنزير؟
" حسناً..."
لم يستطع بارفيز أن ينكر أنه كان يحبّ أن يتناول قطعة من لحم الخنزير وعليها مسحة من الفطر والخردل بين شريحتين من الخبز المقلي عند الفطور في صباح كلّ يوم.
ثم ذكّر علي أباه أنه أمر زوجته بأن تطهي له نقانق لحم الخنزير، وكان يقول لها، "إنك لست في القرية الآن، إنك تعيشين في إنكلترا. يجب أن نتلاءم مع المجتمع".
انزعج بارفيز كثيراً وارتبك لهذا الهجوم الذي شنّه ابنه عليه، فطلب مزيداً من الشراب.
"هنا تكمن المشكلة"، قال الفتى، وانحنى فوق الطاولة. وللمرة الأولى في تلك الليلة، كانت عيناه تتقدان. "إنك منغمس كثيراً في الحضارة الغربية".
تجشّأ بارفيز. حسب أنه سيختنق.
"منغمس!" قال. "لكننا نعيش هنا".
"إن المادّيين الغربيين يكرهوننا"، قال علي، ثم أضاف، "يا أبي، كيف تستطيع أن تحبّ أحداً يكرهك؟"
"إذاً ما الردّ على ذلك في رأيك؟" سأل بارفيز بتعاسة.
راح علي يخاطب أباه بطلاقة، كما لو أنّ بارفيز كان حشداً من المشاغبين الذين يتوجب قمعهم وإقناعهم. إن شريعة الإسلام ستحكم العالم، وستحترق جلود الكفار مراراً وتكراراً، وسيُدحر اليهود والنصارى. إن الغرب بالوعة المنافقين والزناة والشواذّ جنسياً ومتعاطي المخدّرات والمومسات.
وفيما كان علي يتكلّم، أخذ بارفيز ينظر من النافذة كما لو أنه كان يريد أن يتأكد إنهما كانا لا يزالان في لندن.
"لقد عانى شعبي ما فيه الكفاية. وإذا لم يكفّوا عن اضطهاده، فسُيعلن الجهاد. أنا، وملايين آخرون على استعداد لأن نضحي بحياتنا بكل سرور من أجل قضيتنا".
"لكن لماذا، لماذا؟" سأل بارفيز.
"إننا سننال جزاءنا في الجنة".
"الجنة!"
أخيراً، عندما اغرورقت عينا بارفيز بالدموع، حثّه ابنه على أن يقوّم أسلوبه في الحياة.
"كيف يمكنني أن أفعل ذلك؟" سأله بارفيز.
"صلِّ"، قال علي. "صلِّ بجانبي".
طلب بارفيز الفاتورة، ودفع ابنه دفعاً خارج المطعم عندما أمكنه ذلك. فلم يعد بوسعه أن يحتمل المزيد. كان يبدو أن علياً قد ابتلع صوت شخص آخر.
وفي طريق عودتهما إلى البيت، جلس علي في المقعد الخلفي من السيارة، كما لو كان زبوناً.
"ما الذي جعلك هكذا؟" سأله بارفيز، إذ كان يخشى أن يكون هو السبب الذي دفعه إلى ذلك. " هل حدث شيء معيّن أثّر عليك؟"
"العيش في هذا البلد".
"لكني أحبّ إنكلترا" قال بارفيز، وهو ينظر إلى ابنه في المرآة. "إنهم يتركونك تفعل كلّ ما تريد أن تفعله تقريباً هنا".
فأجاب، "تلك هي المشكلة".
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم يعد بارفيز يستطيع أن يرى الطريق أمامه بوضوح، فصدم جانب السيارة بشاحنة، وكسر المرآة الجانبية. كان محظوظاً أن الشرطة لم توقفه، لأنها لو أوقفته لفقد بارفيز رخصته ولأصبح عاطلاً عن العمل نتيجة لذلك.
عندما خرج بارفيز من السيارة عائداً إلى البيت، تعثّر وسقط في الطريق، فجُرحت يداه وتمزّق بنطاله. نهض بصعوبة، لكن ابنه لم يمدّ يده لمساعدته.
قال بارفيز لبيتينا إنه مستعد لأن يصلي، إذا كان هذا ما يريده ابنه، وإذا كان هذا سيزيل النظرة القاسية التي تخلو من أية رحمة من عينيه.
وقال: "لكن ما أعترض عليه هو أن يقول لي ابني إن مصيري جهنم".
لكن الضربة القاتلة التي تلقاها بارفيز كانت عندما قال له علي إنه سيتوقف عن دراسة المحاسبة. وعندما سأله بارفيز عن السبب، أجاب علي ساخراً إن الأمر شديد الوضوح.
"إن التعليم الغربي يبث في النفوس موقفاً معادياً للدين".
وقال أيضاً إن الاختلاط بالنساء، وشرب الكحول، وممارسة الربا من الأمور الطبيعية في عالم المحاسبين.
"لكنه عمل يدّر دخلاً جيداً"، قال بارفيز "وأنت تهيئ نفسك له منذ سنوات".
قال علي إنه سيباشر العمل في السجون، مع المسلمين الفقراء والمساكين الذين يكافحون من أجل الحفاظ على نقائهم في وجه الفساد. وأخيراً، وفيما كان علي متجهاً إلى غرفة نومه، سأل أباه لماذا لم يطلق لحيته، أو على الأقل شاربه.
"ينتابني إحساس وكأني فقدت ابني"، قال بارفيز لبيتينا. "لا يمكنني أن أتحمل أن ينظر إليّ ابني وكأني مجرم. لقد قرّرت ما سأفعله".
"ماذا ستفعل؟"
"سأطلب منه أن يأخذ سجادة صلاته ويخرج من بيتي. سيكون ذلك أصعب شيء أفعله في حياتي، لكني سأفعل ذلك اللّيلة".
"لكن يجب ألا تتخلّى عنه"، قالت بيتينا. "فالكثير من الشبان ينضمون إلى طوائف وجماعات دينية بعضها يؤمن بالخرافات. وهذا لا يعني أنهم يفكرون بنفس الطريقة دائماً".
قالت إنه يجب على بارفيز أن يقف إلى جانب ابنه، وأن يقدّم له الدعم حتى يعود إلى سابق عهده.
اقتنع بارفيز بأنها على صواب، مع أنه لم يعد يشعر بالرغبة في أن يمنح ابنه مزيداً من الحبّ فيما لا يلقى منه كلمة شكر واحدة على ما فعله من أجله طوال هذه السنوات.
ورغم ذلك، فقد حاول بارفيز أن يتحمل نظرات ابنه ولومه له. وحاول أن يدير معه أحاديث عن إيمانه ومعتقداته. لكن بارفيز كان يعرف أنه إذا جازف ووجّه له أيّ انتقاد، فسيتلقى منه رداً عنيفاً. وفي أحد الأيام، اتهم علي أباه بأنه يتذلل للبيض. وقال له على العكس، فإنك لست أدنى مرتبة منهم. وهناك أشياء في هذا العالم غير الغرب، مع أن الغرب يظن نفسه دائماً أنه الأفضل.
"كيف عرفت ذلك؟"، قال بارفيز، "وأنت لم تغادر إنكلترا على الإطلاق؟"
فأجابه عليّ بنظرة مليئة بالاحتقار.
وذات ليلة، بعد أن تأكد أنه لا توجد رائحة كحول في نَفَسه، جلس بارفيز إلى طاولة المطبخ مع علي. وكان يرجو أن يثني ابنه عليه لأنه بدأ يطلق لحيته، لكن علياً بدا أنه لم يلحظ ذلك.
في اليوم السابق، كان بارفيز قد قال لبيتينا إنه يرى أن الناس في الغرب يشعرون أحياناً بفراغ داخلي، وإن الناس يحتاجون إلى فلسفة يحيون على مبادئها.
"نعم"، قالت بيتينا، "هذا هو الجواب. يجب أن تسأله ما هي فلسفته في الحياة. وعندها سيفهم أنه توجد معتقدات أخرى".
وبعد قليل من التفكير المضني، كان بارفيز مستعداً للبدء. كان الفتى ينظر إليه كما لو أنه لم يكن يتوقع شيئاً.
قال بارفيز بتردد إنه يجب أن يعامل الناس بعضهم باحترام، وإنه يجب على الأبناء خاصة أن يعاملوا آباءهم باحترام. وبدا أن هذا، لوهلة، كان سيؤثر على الفتى، مما شجع بارفيز على مواصلة كلامه. فقد كان يرى أن الحياة التي نحياها هي كلّ شيء، وعندما نموت ستتعفّن أجسادنا في الأرض وستبلى. "وستنمو الأعشاب والزهور من جسدي، لكن شيئاً مني سيعيش __".
"كيف؟"
"سأستمرّ في الناس الآخرين – فيك"، هنا، بدا على وجه الفتى شيء من الامتعاض. "وأحفادك" أضاف بارفيز، "لكني ما دمت هنا على الأرض فيجب أن أبذل ما بوسعي لأن أنتفع بوقتي إلى أقصى ما أستطيع. وأريدك أن تفعل ذلك أيضاً".
"ماذا تعني بقولك "أن أنتفع بوقتي إلى أقصى ما أستطيع؟" سأله علي.
"حسناً، قال بارفيز، "كبداية، يجب أن تستمتع بوقتك. نعم. استمتع بوقتك دون أن تؤذي الآخرين".
قال علي إن المتعة "حفرة لا قرار لها".
"لكني لا أعني المتعة هكذا!" قال بارفيز، "بل أعني جمال العيش".
"في العالم كله شعبنا مضطهد ومظلوم"، أجاب علي.
"أعرف"، أجاب بارفيز، ولم يكن متأكّداً تماماً من هم شعبنا، "لكن ومع ذلك، فالحياة خلقت لكي يعيشها المرء".
فقال علي، " إن الأخلاق الحقة موجودة منذ مئات السنين. وفي العالم هناك الملايين والملايين من الناس الذين يشاركونني عقيدتي. هل تقول إنك على صواب وهم جميعهم مخطئون؟"
نظر علي إلى أبيه بهذه الثقة العدوانية، إلى حدّ أن بارفيز لم يعد يستطيع أن يقول كلمة أخرى.
وفي إحدى الأمسيات، كانت بيتينا جالسة في سيارة بارفيز، بعد أن أنهت زيارة لأحد الزبائن، عندما اجتاز فتى الشارع أمامهما.
"إنه ابني"، قال بارفيز فجأة. كانا في الطرف الآخر من المدينة، في منطقة فقيرة، حيث كان يوجد مسجدان.
تجهّم وجه بارفيز.
التفتت بيتينا لتنظر إليه، وقالت: "إذاً تمهل، تمهل"، ثم أضافت"إنه فتى وسيم. إنه يذكّرني بك". وبصوت أكثر حدّة قالت: "أرجوك، ألا تستطيع أن تتوقّف؟"
"لماذا؟"
"أريد أن أتحدث إليه".
استدار بارفيز بسيارته وتوقّف بجانب الفتى. "هل أنت عائد إلى البيت؟" سأله بارفيز، "إنه بعيد جداً".
هزّ الفتى المتجهّم كتفيه استهجاناً وركب في المقعد الخلفي.
كانت بيتينا جالسة في المقعد الأمامي. عندها أدرك بارفيز تنورة بيتينا القصيرة، وأقراطها المبهرجة وظلّ عينيها الأزرق الجاف. وأصبح يدرك أن رائحة عطرها، التي كان يحبها، تعبق في السيارة، ففتح النافذة.
بينما أخذ بارفيز يقود السيارة بأسرع ما يستطيع، التفتت بيتينا إلى علي وقالت له بلطف، "أين كنت؟"
قال: "في الجامع".
" وكيف حالك في الجامعة؟ هل تدرس جيداً؟"
"ومن أنتِ حتى تسأليني هذه الأسئلة؟" قال، وهو ينظر عبر النافذة. ثم وصلوا إلى طريق شديد الازدحام فتوقفت السيارة تماماً.
كانت بيتينا قد وضعت يدها عرضاً على كتف بارفيز، وقالت، "إن أباك، الرجل الطيب، قلق عليك. إنك تعرف أنه يحبّك أكثر من حياته".
"تقولين إنه يحبّني؟"، قال الفتى.
"نعم"، قالت بيتينا.
"إذاً لماذا يدع امرأة مثلك تلمسه بهذا الشكل؟"
إذا نظرت بيتينا إلى علي بغضب، فسيرد لها الصاع صاعين.
فقالت، " أيّ نوع من النساء أنا كي أستحقّ أن تكلمني بهذه الطريقة؟"
فقال "أنتِ تعرفين". ثم أردف، " الآن دعوني أنزل من السيارة".
"لا يمكنك أن تفعل ذلك" أجاب بارفيز.
"لا تقلق، أنا التي سأنزل"، قالت بيتينا.
"لا، لا تفعلي ذلك!" قال بارفيز. لكن مع أن السيارة كانت قد بدأت تتحرّك، فتحت بيتينا الباب، وراحت تجري إلى الطرف الآخر من الشارع. ناداها بارفيز عدّة مرات، لكنها كانت قد ذهبت.
عاد بارفيز وعلي إلى البيت. لم يقل له شيئاً. توّجه علي مباشرة إلى غرفته. لم يتمكن بارفيز من قراءة الجريدة، أو مشاهدة التلفزيون، بل حتى الجلوس. وراح يجرع الشراب بكثرة.
وأخيراً صعد إلى الطابق العلوي وبدأ يذرع الممر خارج غرفة علي جيئة وذهاباً. وعندما، فتح عليه الباب أخيراً، كان علي يصلّي. حتى أنه لم يتطلع في اتجاهه.
أخذ بارفيز يركله. ثم راح يشدّه من قميصه، ويكيل له الضربات. تراجع علي. ضربه بارفيز مرة أخرى. بدأ الدم يسيل من وجه الفتى، وأخذ بارفيز يلهث بشدة. ومع أنه كان يعرف أنه لن يتمكن من التأثير عليه، استمر يوّجه له الضربات. لم يستر علي وجهه، ولم يقاوم أباه أو يرّد عليه؛ لم تكن عيناه تشيان بالخوف. وكان كلّ ما قاله، من خلال شفته المشقوقة: "من منا المتعصّب الآن؟"
مترجم سوري يقيم في نيويورك
خاص بــ جدار