جوائز القائد
عباس بيضون: كانت هناك في يوم جائزة باسم صدام حسين، وكان هناك أديب، رحمه الله، يصر على أن يذكر اسمه مقروناً بها (الحائز جائزة صدام حسين). لا تصدقوا بالطبع تلك الأسطورة عن تعارض الأدب والسلطة. ثمة عدد واسع من الأدباء يؤثر كسرة سلطة على كل أمجاد الأدب ويبيع ملائكة الوحي بمكتب في وزارة أو سفارة. ليس أندر من الأدباء الذين رفضوا منحة السلطان. هذا امتحان يستوي فيه الجميع تقريباً. نتذكر طرفة برنارد شو الذي رفض جائزة نوبل قائلاً إنه يغفر لنوبل اختراعه للبارود ولا يغفر له اختراعه للجائزة. جوائز الملوك والرؤساء أنشئت في الواقع لبهدلة الأدب والأدباء. وإظهار معدنهم. اختر أكثر الصاخبين وامنحه مالاً واسماً فكيف تكون الحال. الغالب أنه سيرضخ بل سيفرح بفتات السلطة أكثر مما سيفرح بفتات المال. سيفرح غالباً بأن يقترن باسم الرئيس أكثر مما يفرح بالجائزة نفسها. الأمثلة عربية وعالمية وفيرة بالطبع. لا نغفر لنوبل اختراعه للبارود لكننا لا نغفر له أيضاً اختراعه للجائزة. طرفة برنارد شو ليس مكانها هنا. يمكن أن نستعيرها بدون أن يكون في الأمر وجه شبه. يمكن القول إننا نغفر لصدام قمعه ولا نغفر له جائزته. لا نغفر له خاصة حين تمنح لكاتب كفؤ. عندئذ نفهم أن صدام بعد أن أغرق الشعب العراقي بالقمع، تفرغ لإهانة عقوله. ليست الجائزة غريبة عن سياسة الزعيم. إنها من جنسها، يبصق الدكتاتور على قبور المعارضين، يبصق على المعارضة التي ليست في الواقع إلا أفكاراً مضادة ومفكرين مضادين، ثم يبصق، لكن بطريقة أخرى، على وجه الإبداع. كان صدام معلماً بالعصا نفسها التي ساق بها الشعب. ساق الإبداع ولا بد من أن الأمر هذه المرة جائزة أو منحة. لم يكن أكثر دراية بالأدب من وقوف كاتب بين يديه؛ من تسليم كاتب مفاتيح الوحي للشقي الذي على رأس السلطة. مع ذلك لا يمكن أن نقول لكاتب لا تقبل. سيكون خائفاً ومن نحن لنقول له ألا يقبل. سيكون جائعاً ومن نحن لنقول له ألا يقبل عشرات آلاف الدولارات. سيكون محباً للوجاهة ومن نحن لنقول له ألا يقبل مصافحة وقبلة الرئيس.
جائزة القذافي، ليس مهماً أن نراجع أرشيف الرجل. إنه طويل ومعروف. لن نذكر الاغتيالات والسجون والإرهاب، فهذه كلها باتت قديمة. لن نذكر إحراق الآلات الموسيقية وتصفية المدارس وكوميديا اللجان والقائد. كل هذا بات من قديم الرجل أما جديده فهو التهريج. ومن تهريجه جوائزه العالمية. لكن الجائزة قرابة ثلاثمئة ألف دولار. رفض مبلغ كهذا يحتاج بالطبع إلى رجل كغويتسولو. رفض تكريس كهذا يحتاج إلى رجل كغوتيولو. أي رجل يضع الأدب فوق المال وفوق الوظيفة وفوق السلطة. رجل يعتبر الأدب أيضاً امتحاناً أخلاقياً. الخطأ الذي لن يتكرر بالطبع منح الجائزة لمثل غويتسولو. عندئذ يغدو للجائزة معيار فوقها بكثير. لن يتكرر أمر جدي كهذا في مسألة تهريجية. جائزة عالمية للقذافي ويمنحها صلاح فضل. ألن يكون مضحكاً أن تكون جائزة القذافي القصّاص والرئيس عالمية، وأن تكون العالمية هذه من هبات صلاح فضل، وأن تمنح للتنوير ممثلاً بجابر عصفور. إنها نوادر القائد.
جائزة القذافي، ليس مهماً أن نراجع أرشيف الرجل. إنه طويل ومعروف. لن نذكر الاغتيالات والسجون والإرهاب، فهذه كلها باتت قديمة. لن نذكر إحراق الآلات الموسيقية وتصفية المدارس وكوميديا اللجان والقائد. كل هذا بات من قديم الرجل أما جديده فهو التهريج. ومن تهريجه جوائزه العالمية. لكن الجائزة قرابة ثلاثمئة ألف دولار. رفض مبلغ كهذا يحتاج بالطبع إلى رجل كغويتسولو. رفض تكريس كهذا يحتاج إلى رجل كغوتيولو. أي رجل يضع الأدب فوق المال وفوق الوظيفة وفوق السلطة. رجل يعتبر الأدب أيضاً امتحاناً أخلاقياً. الخطأ الذي لن يتكرر بالطبع منح الجائزة لمثل غويتسولو. عندئذ يغدو للجائزة معيار فوقها بكثير. لن يتكرر أمر جدي كهذا في مسألة تهريجية. جائزة عالمية للقذافي ويمنحها صلاح فضل. ألن يكون مضحكاً أن تكون جائزة القذافي القصّاص والرئيس عالمية، وأن تكون العالمية هذه من هبات صلاح فضل، وأن تمنح للتنوير ممثلاً بجابر عصفور. إنها نوادر القائد.


.jpg)





