حسين سليمان: لفت نظري في صحيفة ' القدس العربي' عدد 6445 يوم السبت 27 شباط ( فبراير) مقالة الكاتب عزت القمحاوي تحت عنوان ' وليمة سليم بركات المتنقلة' فقرأتها بدافع الفضول للوقوف على رأي الكاتب، وهو الأديب والقارئ وأحد المشرفين على مجلة أدبية مرموقة. وما كانت لتصيبني الدهشة من الموقف الذي أعلنه من أدب سليم بركات حين قال ' لكن التهتك الذي يمارسه بركات في هذه الرواية ( رواية ' هياج الأوز') هو بالأساس تهتك لغوي، يودع به الشاعر هاجس الكمال الذي منع رواياته السابقة من أن تكون روايات'.
ثم يشير إلى أن الروائي الشاعر سليم بركات لا يكتب على سجيته ولا قدرة له على قراءة أعماله ' ولهذا لم أكن أخجل من الاعتراف، أمام مريدي بركات، بأنني لا أستطيع قراءة رواياته مثلما لا أخجل من الاعتراف بأنني لم أتمكن من الوقوف على سر عظمة عوليس'.
شخصيا لم اقرأ لسليم بركات سوى ديوان شعري وكتاب قديم له ـ قبل هجرته - وهو كما أذكر 'هاته عاليا هاته إلى آخره' ولمست فيهما نزعة الكتابة المختلفة، لا من أجل الإختلاف، حيث نزعة الكتاب الذين يريدون ' الاختلاف من اجل الاختلاف' لا تقوى على الاستمرار طويلا تطفو على السطح ذواتهم الأصلية. وكنت أتابع المقالات عنه وبعض الفقرات من كتبه هنا وهناك ـ وأقرأها بتمعن وتأن - وكان في رأيي أن العمل الأدبي الذي يقوم به هو شبيه بعمل النحات الذي يحول مادة الحجر إلى مادة من مشاعر، الحجر إلى أمواج لا نستطيع لمسها وتتبخر في حال وضعنا يدنا لتحديد مكانها من النظام المألوف الذي اعتدنا عليه. فأعماله تخرج بمعنى الكلمة عن الذي علمتنا إياه المدارس والكتب الأدبية التقليدية. وهناك اقتراب من طريقته في رواية ' الزمن الآخر' لإدوار الخراط حين كان الكاتب يحشو ـ بمعنى الحشو الفني ' التبطين'- صفحات الرواية بمقاطع هدفها تغذية حواس القارئ بالموسيقى واللحن، كما فعل نجيب محفوظ في ' الحرافيش' حين كان ينهي بعض الفصول بأبيات فارسية. ليس الهدف منها أن ينقل صورة تتمم المعنى الناقص أو تستكمل الرسم بإضافة عينين إلى وجه من دون عينين. بل لنقل المشاعر التي ترفض القول - حين تتحول اللغة إلى الصمت وتعبر عن موقفها بالملامح.
إلا أنني أشاطر عزت القمحاوي قليلا في رأيه، ربما، سليم بركات لم يفتتح مناطق مجهولة في الأدب العربي وإن فعل فربما قد ضاع في هذا الافتتاح، ولتحرير هذا القول من التخمين يجب الاعتماد على قراءة نقدية جدية لأعمال سليم بركات، فحتى الآن لم تظفر أعماله بقراءت نقدية حقيقية تنير لنا المخبوء في أعماله التي ـ ربما - حسبناها ضياعا. وفي الواقع هذا هو ما ينقص الأدب العربي ككل، النقد الجدي الذكي والذي ما زال سطحيا عموميا حتى مع تناوله من قبل المدرسين والأكاديميين. وهنا تحضرني صورة التعاسة التي كانت تصيبني حين كنت أقتني على الفور الأعمال الأدبية التي أقرأ عنها دراسة نقدية إيجابية، لأجد بعد أن أقرأها أنها أعمال بعيدة كل البعد عما قالته المقالات النقدية. وهنا يحسن القول أن المقالات النقدية التي تنشر هنا وهناك وتقيـّم الأعمال سلبا أم إيجابا إنما تفضح ( الناقد) كاتب المقالة النقدية وليس العمل، وتشير إلى حساسية الناقد في تناوله للعمل الأدبي وليس الكتاب المتناول.
بالتأكيد - وهنا افتراض صوري بحت وغير منطقي - لو كان جيمس جويس عربيا لما اكتشفه أحد، لو كان مارسيل بروست بخالدته غير المألوفة الشاعرية على الإطلاق ' البحث عن الزمن المفقود' عربيا وكتب هذه الراوية بالعربية لظلت في مخازن الكتب لا يطلع عليها أحد ولا تلفت القراء إليها. بالسبيل أن القارئ العربي هو قارئ ـ إن وجد - كسول سطحي. وهذا ما يفسر سبب التخلف الذي ما زلنا نخوض مفازاته. لقد جاءتنا ' يوليسس' عن طريق النقاد الغربيين بعد أن حللوا هذه الرواية ورفعوا شعارات أنها أعظم روايات القرن العشرين فراح القارئ العربي يقرأها ومنذ البداية على أنها رواية باذخة وبهذا الاندفاع الأولي راحت القراءة تستمر.
منذ فترة التقيت بأحد الممرضين في المشفى الذي أراجعه، وكانت بيده رواية ' يوليسس' فسألته إن كان احد ما زال يقرأ هذه الرواية، فأجابني أنه يعرف من قرأها مرتين. وهي رواية متعددة المستويات والأصوات وهناك تداخل ممتع في عملية البناء الفني. وهذا الرجل يقرأ ايضا روايات ' الأكثر مبيعا' لكنه كما قال، إن روايات ' اللغز الضائع وشفرة دافنشي' الخ لا تغذيه بالغذاء الروحي الذي يريده. وأثار دهشتي فسألته إن كان يكتب أيضا، فأجاب: لا يا صاحبي، أنا مجرد ممرض!
نتساءل لماذا الأدب، لماذا الفنون جميعا ولماذا العلوم والتكنولوجيا؟
هي ليست سوى نتاجات العقل، وهي في النهاية تعبر عن الموقف الروحي من العالم. فالعالم، هذه الظاهرة الغريبة التي خـُلقنا في داخلها، أعدنا خلقه مع مرور الزمن كي يصبح في داخلنا ويصبح بيننا شراكة في مادة الوعي، بين الإنسان والوجود ـ الفضاء، universe. وكان الوعي المنتج يقترح في كل مرة فكرة العالم التي في داخله وذلك بواسطة الفلسفة والعلوم والفنون والتكنولوجيا... فنرى إن نحن قرأنا الأدب في العصر الأوروبي الوسيط وجدنا أن هناك تواحدا مذهلا بين أفكار ديكارت وبين بدايات الرواية الكلاسيكية، ' الأب العظيم'. وإن تدرجنا صعدا فسنجد أن سلم الفنون يرتفع درجة درجة مع تطور العلوم ومع الموقف الإنساني العام من العالم. وإن كان الأديب ( بكل ما تعنيه هذه الكلمة من شأن وسمو) هو من رفعة علماء الفيزياء والكيمياء المعاصرين فإنه بكل تأكيد سوف لن يعود إلى أفكار ديكارت في الهندسة التي أصبحت منذ زمن تقليدية كلاسيكية. وهي ليست مسألة عودة وأفكار بل هي منبع روحي يدفع الكاتب لأن يقول أعماقه وما تحتويه من مفاهيم متزامنة مع المفاهيم الحديثة التي ينتجها العقل.
وما ينتج الآن من أدب ـ كتب الأكثر مبيعا - الأدب المشابه للعصر الوسيط هو ليس بالأدب ولا يحق لنا إطلاق الأدب عليه، ليس سوى التكنولوجيا القديمة التي تحضر لتعذر التكنولوجيا الحديثة - قطار بخار الفحم - ولا تعبر عن روح العالم. حيث الأدب ليس للنزهة، وليس للترويح عن النفس، وإن كان كذلك فستكون ليلة في مرقص أو عند راقصة أفضل بمئة مرة منه.
ما يؤسفني أن هناك محاولات جدية لكتاب عرب في التعبير عن فكرة العالم الحديث، لكن لا استجابات، لا من نقاد ولا قراء لدفع هذه الروح الوليدة تحاول أن تنهض. ليس هم الذين يكتبون، بل قلم عربي فيه جذوة حداثية ربما تنتقل إلى الشأن الصناعي والشؤون العلمية الأخرى- على اعتبار أن عدوى العلوم تنتقل من اختصاص إلى آخر- وليس فقط سليم بركات الذي لم يُدرس نقديا، لظني أن رواية ' دابادا' المختلفة والتي كتبها الراحل حسن مطلك منذ أكثر من عشرين عاما، لولا أخيه الأديب ( المريد) محسن الرملي ودفع هذه الرواية المستمر إلى النور لما اهتم بها أحد. ولم يهتم بالمعنى الحرفي لها أحد حيث لم تدرس نقديا- رغم ظهور عشرات المقالات الودود عنها، لم يتم مثلا دراسة الزمن فيها وكيف عالجته الرواية، فالزمن في هذه الرواية هو زمن معقد يكاد يشابه فكرة الزمن الحديثة التي يؤمن بها فيزيائيو العالم اليوم. وهي رواية رجراجة، ومع بعض التحفظات عليها، قد خرجت عن الحدود التي ما زلنا ندور في داخلها مستمرئين لطريقة قراءتنا للحدث العالمي. ولقد لاحظت غياب عدد من الأسماء الأخرى، كتبوا عدة روايات مختلفة ثم اختفوا، ولو كانت ـ ربما - لم تصل إلى حد النضوج. لكنها بكل تأكيد تتفوق على روايات عربية ما زالت كلاسيكية وما زالت توضع بالمرتبة الأولى أثناء الدراسات النقدية.
الوسط الثقافي الإعلامي هو وسط كلاسيكي بامتياز، له الذائقة القديمة التي على ما يبدو لن يتركها- فالذائقة تحمل أناها ولا تريد أن تتغيربسهولة، وستصبح عدوا لدودا للجديد، الجديد المسكين سوف يتراجع في خمول قدسي وشجب مبطن له إلا إن كان عنيدا عناد المبدعين. لقد قال بروست:
' ولما كان من شروط الجدة، أية كانت، الإزالة المسبقة للمطروق المكرور الذي سبق أن تعودناه، والذي كان يبدو لنا الواقع بعينه، فسوف يبدو لنا كل حديث جديد، ومثله كل رسم وكل موسيقى مبتكرين، معقدا ومرهقا على الدوام، ذلك لأنه يستند إلى أشكال لم نألفها ويبدو المحدث وكأنه لا يتكلم إلا بصنوف المجاز، الأمر الذي يورث تعبا ويخلف انطباعا بمجانية الحقيقة'.
' كاتب من سورية يقيم في امريكا
hsolaiman@hotmail.com