مخدرات تباع في الصيدليات والأزقة والضحايا من جميع الفئات
خلدون مزعل: كثيرة هي أنواع السموم والمخدرات التي تدخل إلى أجسام شبابنا اليوم لا سيما تلك الحبوب المهدئة والمسكنة والمتوافرة لتستخدم كأدوية لمعالجة بعض الأمراض النفسية، ولكن للأسف لها التأثير نفسه والأعراض نفسها التي تتركها المخدرات إذا أسيء استخدامها، والضحايا هم على الأغلب من الشباب والأطفال، والمشكلة كما تشير الإحصائيات تتفاقم ويبدو أن مساحتها الجغرافية بدأت تتعدى (المناطق الشعبية) لتمتد لمناطق أخرى..
عماد .ع طالب من الطلاب المتفوقين في إحدى المدارس قدم له صديقه أحد أنواع الحبوب المهدئة في كأس من الشاي دون علمه ولا نعرف إذا كان دافع الغيرة هو الذي سمح لزميله أن يضع له هذه المادة، والنتيجة أن الأمر لم يكن كذلك فزميله وبعد سنوات ارتكب جريمة قتل. وكما يقول أحد أعضاء الكادر التدريسي في مدرسته أنه أصيب بعمى بصري و اضطربت جمع تصرفاته ولم يعد إنساناً طبيعياً.
والسؤال هنا هل هذه الحالة تمثل ظاهرة في مدارسنا أم هي مجرد حالة فردية؟
تقول معاون مدير المرصد الوطني للشباب والباحثة الاجتماعية أليسار علي فندي: في محاضرة كنت ألقيها وكان موجود فيها حوالي 200 شاب معظمهم من طلاب المدارس و المفاجأة أن أغلبية الشباب تعرف أسماء الأدوية المهدئة والمسكنة وكان ذلك من خلال سؤال بسيط كم نوع من أنواع الحبوب تعرفون ؟ والمأساة أن جميع هؤلاء الشباب فرحون بوجود المواد في متناول أيديهم والحجة حبة دواء ننسى ونرتاح ونزيل القلق وكأنها تسلية والخطر يكمن أن تناول هذه الحبوب في بداية العمر سيحدث عدم التوازن، أي بدون حبة لا أستطيع التحرك والتفكير ويعتقد أنه بكل مشكلة هناك حبة دواء ستحل المشكلة فالإدمان بالدرجة الأولى اعتماد نفسي لأن الاعتقاد أن الحبة هي التي ستحل المشكلة. وتؤكد أليسار أن أعمار متعاطي الحبوب المهدئة تتراوح بين الخامسة عشرة والثلاثين.
قبل الخوض في تأثير الحبوب المخدرة التي تأخذ أصلاً بهدف علاجي فإنها تصل إلى أيدي الأطفال والشباب بطرق متعددة منها أن تكون هذه الأدوية مستخدمة من قبل أحد أفراد العائلة، المصدر الآخر أن يتم الاحتيال على الصيدلاني من خلال وصفة طبية (هذا إذا افترضنا حسن النية بالصيدلاني)، المصدر الأكثر شيوعاً هو تجار متخصصون في هذا المجال، شأنهم شأن أولئك الذين يروّجون للمخدرات والحشيشة.
أما ماهية تلك الحبوب فيوضحها اختصاصي التخدير الدكتور محمود طلوزي: الحبوب المهدئة ومسكنات الألم تؤدي للإدمان بالرغم من أنها وجدت لعلاج الأمراض النفسية وتسكين الألم في الأمراض المزمنة ولكن لها تأثير مهدئ ومسكن وهي لا تسبب الإدمان إذا أوقفها الطبيب في الوقت المناسب والسبب في الإدمان عليها يعود أن مشتقات الدواء النهائية تشابه مشتقات المخدرات « كالمورفين .. ».
يضيف طلوزي: الأدوية المسكنة والمهدئة تأخذ لفترة قصيرة بأمان ودون مشاكلات ولكن أخذها لفترات طويلة يسبب الإدمان ولذلك يلجأ البعض لتعاطيها من أجل النشوة لما فيها من مواد مخدرة. فاستخدام الدواء بأصوله لا يسبب مشكلة فالكورتيزون صنع كدواء لعلاج بعض الأمراض ولكن إساءة الاستعمال أوجدت سمعة سيئة لهذا الدواء.
فأخذ الدواء لأكثر من خمسة عشر يوماً يؤدي للإدمان، إذ سيطلب الجسم زيادة الجرعة لتصل إلى عشرين حبة وأكثر، وهناك بعض الأشخاص الذين اعتادوا على تعاطي الهيروئين والحشيش وعندما لا يستطيعون الحصول عليه يستبدلوه بحبوب مهدئة ومسكنة للحصول على النشوة .
ومن نماذج سوء الاستخدام ما حدث مع عاهد خريج معهد موسيقا ويعمل عازف أورغ وهو متزوج لديه بنت في الصف الثاني وولد عمره ثلاث سنوات يقول : كنت في الصف العاشر عندما أصبت بحالة اكتئاب وبدأت أخذ الحبوب المهدئة عن طريق الوصفات الطبية النظامية وكنت في كل سنة أنتكس ولم يبق حب في العالم لم أتناوله فكل طبيب يشخّص لي الحالة على شكل آخر ويغير لي الدواء وأنا من ثلاث عشرة سنة أتناول الحبوب المهدئة وأبدل الوصفات كما يحلو لي ، بدأت بحبة والآن أتناول بين عشرين و ثلاثين حبة وقبل أن أنام أتناول عشر حبات، والظروف النفسية هي التي قادتني إلى هذه الحالة ودون الحبوب لا أستطيع أن أعمل ولا حتى الحركة جئت للمشفى بإرادتي وحاولت التخلص ولكنني لم أستطع.
أما فوزية فهي من أسرة مكونة من ستة أشخاص كانت مدللة ولم تحرم من شيء في طفولتها ، درست للمرحلة الإبتدائية والمستوى التعليمي للعائلة متدن، متزوجة ثلاث مرات، الزواج الأول بعمر الرابعة عشر استمر لمدة ست سنوات وكان خطيفة لرفض الأهل لهذا الزواج ، أنجبت ولدين وكانت معاملة الزوج قاسية وصعبة، أما الزوج الثاني كان يتعاطى الهيروئين وهو من عوّدها عليه، توفي بجرعة زائدة وتزوجت من أخوه الذي يتعاطى أيضاً تقول : كنت أعاني من حالة عصبية بعد الزواج الأول لرفض زوجي إعطائي أولادي وبدأت أتناول الحبوب المهدئة عن طريق وصفة طبية من الطبيب وبعدها اعتدت على الدواء ولم أستطع أن أوقفه وبعد حوالي سنة ونصف السنة من تعاطي الدواء عرض علّي زوجي الثاني الهيروئين على أنه مقوٍ جنسي فاعتادت عليه وأنا أتعاطى غرامين من الهيروئين باليوم .
لا يقتصر الوقوع في مستنقع التعاطي على الاستخدام السيىء للدواء فهناك حالات تقف وراءها ظروف نفسية واجتماعية سيئة
تقول الباحثة أليسار: بعد الدراسة الميدانية للتعاطي سواء كان دوائياَ أو أفيونياً أو كحولياً وحتى أي شيء مذهب للعقل يمكن القول إن التربة النفسية التي يتمتع بها الإنسان وتركيبته النفسية من أهم الأسباب التي تجعل الإنسان عرضة للإدمان فالمواصفات التي تتمتع بها الشخصية «فئة عالية الخطورة» يعني بمعنى آخر الشخصية المعرضة لاحتمال حصول تعاطي وبالتالي إدمان، وأهم الشخصيات هي الشخصيات التي تميل لعدم الاتزان في فترة المراهقة والشخصية الغيورة التي لا تتمتع بالصبر، أي الشخص الذي يحتاج إلى أشيائه بشكل آني والشخص الكذوب و الذي لا يحتفظ بصديق والمتابعة في المدرسة شيء أساسي فتقرير المدرّس مهم ، الطفل الذي يميل للتغيب عن المدرسة والمشاغبة وإيذاء زملائه يشكل لديه عامل مؤهل لوجود الإدمان وحدوث إدمان في المستقبل فالتدخين المبكر في عمر عشر السنوات في غاية الخطورة وهو أحد العوامل المؤهبة والمعرضة لحدوث إدمان.
ولعل أحد النماذج التي تعرضنا لها والتي كانت ضحية ظروف محيطة كانت أماني وهي من أسرة مكونة من تسع أشخاص الأب موظف يحمل الشهادة الإعدادية، أخرجت من المدرسة في الصف التاسع برغبة الأهل بالرغم من أنها متفوقة فالأهل ينظرون أن خروج الفتاة من البيت أمر معيب حسب العادات والتقاليد والأم لها دور متسلط في المنزل وهي التي تتخذ القرارات، تزوجت في عمر الرابعة عشرة وكانت العلاقة متوترة مع الزوج لعدم الاهتمام وتوجهه لجمع المال، حاول الاتجار بها وبسبب رفضها تعرضت للحبس والحرمان من الطعام مع أولادها، حدث الطلاق بعد تنازلها الكامل عن حقوقها وبعد الطلاق بعام تزوجت زواجاً عرفياً بالسر من شخص يكبرها بستة وثلاثين عاماً بسبب وضعه المادي الممتاز تقول : جرّبت بداية حباً منوماً كانت تستخدمه جدتي وارتاحت عليه و بسبب الضغوط جربت أنواعاً أخرى من الحبوب لتهدئة ونسيان الواقع وتخفيف عصبيتي تجاه أولادي وحاولت العلاج عدة مرات عند أطباء نفسيين ولكني لم أستفد وحاولت الانتحار أكثر من ست مرات بجرعات زائدة وسم وكهرباء ولكنها باءت بالفشل .
أما مرام فعمرها سبع عشرة سنة من أسرة مكونة من خمسة أشخاص كانت مرحلة الطفولة صعبة بسبب الوضع المادي الصعب والخلافات الأسرية المستمرة بين الوالدين والمستوى التعليمي للوالدين متدنٍ درست المرحلة الإبتدائية تزوجت وهي في سن الخامسة عشرة من ابن خالتها ولكن الزواج لم يستمر أكثر من شهر تقول: بدأت أتعاطى بعمر مبكر «إحدى عشرة سنة» بعد تعرضي لحادث سير تأذت منه قدمي وكنت أعاني من آلام شديدة بسبب الحادث في بداية الأمر أعطتني جارتي مادة البودرة على أنها دواء مسكن للألم قوي وفعال وكانت تقدمها لي مجاناً و كما عرضت عليّ الكوكائين على أنه دواء أقوى وبعد ذلك بدأت تطلب المال مقابل البودرة وكنت أعمل المستحيل لتأمين المبلغ وحاولت أن أتركه قبل زواجي ولكني لم أستطع لأني أشعر برغبة لها. وأنا أتعاطى غرام هيروئين أو كوكائين في اليوم وأتيت للمركز للعلاج بمساعدة والدي.
قد يكون من الصعوبة بمكان أن نفصل بين المسببات الاجتماعية وغيرها من المسببات الأخرى إلا في السياق النظري فالجهل حوّل غادة إلى مدمنة فهي من أسرة مكونة من ثلاثة عشر شخصاً وهي الكبرى والوضع التعليمي للأسرة متدنٍ وصلت للصف الخامس وتزوجت في سن الثالثة عشرة واستمر الزواج لمدة سبع سنوات أنجبت ثلاثة أطفال وبسبب الخلافات بين الزوج وأهله وعدم الانسجام حدث الطلاق، بقيت أربع سنوات في بيت أهلها وتزوجت مرة ثانية تقول : بدأت بالتعاطي منذ سنة ونصف السنة عن طريق زوجي الثاني الذي عرض عليّ الهيروئين كمقوٍ جنسي ومن ثم الكوكائين وكان لي قبل ذلك تعاطٍ دوائياً وكحولياً بشكل منقطع وكل هذا من أجل النشوة والمتعة ولم أكن أعلم أن المخدر سيصل بي هذا الحد .
أما خالد فهو الآخر ضحية الجهل عمره اثنتان وعشرون سنة وحيد على ست بنات درس المرحلة الإعدادية ويعمل دهاناً يقول : أنا من النوع الخجول جداً بدأت بالتعاطي قبل أن أتعرف على خطيبتي وكنت خجول جداً فنصحني صديقي بالحب لأكسر الخجل فأخذت حبتين وبعد ترك خطيبتي والمشكلات التي حدثت معي ووفاة والدي بدأت أزيد الجرعة إلى أن وصلت إلى أربعين حبة باليوم وأنا ثاني مرة آتي للمركز لطلب العلاج وهذه المرة أتيت بسبب الأوجاع والآلام الجسدية والنفسية التي تصيبني فعندما لا أستطيع شراء الحب أصاب بنوبات وأنا أتعاطى من أجل البسط والمتعة وكسر الخجل وأنا بطبيعتي خجول ووحيد ومعظم أصدقائي يتعاطون الحبوب .
تقول أليسار فندي: نحن بحاجة إلى مسألتين مهمتين إحداهما الجمعيات الأهلية التي تدعم الشباب بمختلف المراحل العمرية من توعية وإرشاد خلال المحاضرات والندوات وورشات العمل, والمسألة المهمة الأخرى الإعلام الذي يجب أن يأخذ دوره من المختصين لأن هذا الجانب بغاية الخطورة إذا لم يكن المتكلم مختصاً وملماً بالجانب العملي ومقيم بالعمل لأن أي كلمة قد تؤثر فالمرشد والناصح يجب أن يكون واعياً ومنتبه لأي كلمة يقولها لأنها قد تؤدي بالمستمع إذا لم يحسن استخدامها إلى التجربة.
وتشدد أليسار على أن التوعية يجب أن تكون منذ الطفولة: « التركيز ضروري ومهم في مرحلة الطفولة وإذا وضعنا الإدمان تحت المجهر نحصل على معادلة ، مرحلة طفولة جيدة ـ تربية سليمة وتحصين جيد ـ فترة مراهقة جيدة تعطي إنساناً ناجحاً بحياته ومحصناً من جميع المخاطر وعند اضطراب أي مرحلة من هذه المراحل سيكون الإنسان فاشلاً ويتعرض لمخاطر الإدمان والانحرافات الأخرى ، فمرحلة رياض الأطفال عامل مهم والتربية من سنة إلى خمس سنوات مرحلة بغاية الخطورة يجب أن تأخذ حقها لأن الطفل يثبت بشخصيته في هذه المرحلة للمستقبل ، فكثير من الشباب تعرضوا لمخاطر الإدمان ولم يدمنوا وشباب أمام أول ضربة وسوء حظ تعرضوا للإدمان وهذا عائد لمرحلة الطفولة التي قد تكون جيدة أو سيئة» .
رفاق السوء في معظم الأحيان حاضرون في مثل هذه الأمور فمازن عمره أربعون سنة متزوج ولديه أربع أولاد أكبرهم بنت عمرها ثماني عشرة سنة يعمل في ورشة لصنع الجزادين يقول : بدأت التعاطي عن طريق شخص أعطاني شراب سعلة في سبيل التجربة وشعرت بنشوة كبيرة أعجبتني واستمررت بتعاطي الشراب لمدة ومن ثم بدأت أتعاطى الحبوب ولم أكتف، وبعدها عرض الشخص نفسه عليّ البودرة وبدأت بشمة ومن ثمة تعلمت ضرب الإبر كي لا يضيع عليّ أي شيء من النشوة وكنت أسحب أجار الجمعة من أول يومين من الأسبوع لتأمين الهيروئين وعندما لا أستطيع تأمين المال أعاود تعاطي الحب لأنه أرخص ولا أستطيع العمل ولا التحرك إذا لم أتعاط ، وعن قدومه للمركز للعلاج قال : أقنعني صديق يتعاطى وهو طبيب بالحضور للمركز للعلاج وقال لي من يذهب بإرادته للعلاج لا يتحاسب ولا يسجن أويعاقب وأتيت للمركز للعلاج أول مرة ولكني لم أتحمل وهربت من اليوم الثاني ولكن بإصرار من أهلي وأبنائي عدت للمركز وتعالجت وبقيت سنة كاملة لا أتعاطى ولكن بأول مرة أشعر بها بالفراغ عدت للتعاطي .
أما ماجد فقد تعرف على ليلى واستمرت العلاقة بينهما ثلاثة أشهر ولم تظهر عليها أي مشكلة في تلك الفترة، وبعد الزواج كما يقول قضينا أربعة أشهر من أجمل أيام العمر وكانت في تلك الفترة تأخذ نوعاً من الحبوب بحجة ألم في الظهر وكنت أحياناً أحضر لها الحب مع أنه ممنوع ولا يعطى إلا بوصفة طبية دون أي شك، وبسبب أمر تافه تقلب حياتنا رأساً على عقب لأواجه أول نوبة تقع بها وتهددني بقتل نفسها وتطلب مني أن أحضر لها الحب في الساعة الرابعة صباحاً و بالوقت نفسه وجدت المبرر لأن الصيدليات لا تفتح وقالت لي سأتصل بصيدلية وبالفعل اتصلت وذهبت لإحضار الدواء بعد أن واعدت صاحبة الصيدلية وفتحت لي وأعطتني الدواء مقابل مبلغ 75ليرة مع أن سعر الدواء أرخص بكثير وهدأت بعد أن أخذت الحب، أخبرت أهلها بالحادثة وفوجئت بعلم أهلها و دخولها للمركز للعلاج أكثر من مرة وخلال الفترة القصيرة التي بقيت معها دخلت للمركز مرتين ولكن للأسف لم أستفد أي شيء سوى دفع المال, وكانت تأخذ أكثر بعد خروجها من المركز ومتوسط تعاطيها للحبوب أكثر من ثلاثين حبة في اليوم، وعن بداية التعاطي قال لا أعرف .
بعد هذا العرض يبقى السؤال المفتوح دائماً هل المدمن ضحية أم جانٍ؟
بداية، الإدمان:هو التعاطي المتكرر لمادة نفسية تصل لدرجة أن المتعاطي يرفض و يعجز عن الانقطاع عن المادة وهو مرض مظهره البسيط تناول مادة دوائية كالمخدرات والحبوب المهدئة و المسكنة والكحول وغير دوائية كالتدخين والبنزين الممتاز والمواد اللاصقة .
وهناك قاعدة تقول: لا يحدث الإدمان عند شخص سوي ولا بد من توافر عوامل نفسية حتى يحدث الإدمان فالإدمان يحدث عند الشباب الذين لديهم مشكلات منزلية وبطالة ،المدمن يوم مدمن كل وم، بمعنى أن المدمن على المخدر والكحول عند علاجه والنجاح بذلك يكفي أن يتناول ولو كمية بسيطة من المادة ليعود بسرعة للإدمان وكأنه لم يعالج .
أما مدير المرصد الوطني للشباب الدكتور غسان شاكر يقول : نحن ننظر للمدمن على أنه مريض (ضحية) وليس مذنباً أما في حال تورطه في قضية قانونية أو جنائية فهذا جانب قانوني، فنحن في المركز نستقبل المدمن كمريض ليس عليه أي مشكلة قانونية، وفي حال قدومه لطلب العلاج والمساعدة وتعدى أمور الإدمان وكانت له انحرافات قانونية فإنه سيعاقب عليها. أما أليسار فندي فترى أن المريض مذنب إذا أصرّ على الإدمان رغم الظروف التي تتاح له للخروج من حالة الإدمان.
إلا أن عاهد (أحد المتعاطين) يقول: هذه المرة الثالثة التي أدخل فيها المستشفى (يقصد المرصد) للعلاج ولكني لم أستفد وأنا في هذا المركز أتعامل مع حثالة المجتمع من متعاطين هروئين وغيرهم لأننا في الغرف نفسها ولا يجوز أن أكون معهم فأنا قدمت إلى المركز للعلاج .
ويوضح الدكتور غسان شاكر عمل المرصد بقوله: المرصد الوطني لرعاية الشباب تأسس عام 2003 وهو المستشفى التخصصي الوحيد لعلاج المرضى المدمنين «مشتقات أفيونية ، مهلوسات منشطات مواد دوائية وكحول» قبل افتتاح المركز كان عبارة عن شعبة للعلاج في مستشفى ابن النفيس أسست عام 1939 وتزامنت مع صدور قانون المخدرات الذي صدر عام 1993 وأعطى المدمنين فرصة للعلاج بشكل مجاني وسري وطوعي وهي من مهمة وزارة الصحة ويضم المرصد عيادة نفسية واجتماعية وعيادة علاجية للإدمان تقدم بروتكولاً علاجياً حديثاً مدته خمسة عشر يوماً كما يهتم المرصد بهذه الحالات ويقدم العلاج النفسي ويقسم إلى ثلاثة أقسام سلوكي وداعم ومعرفي من خلال العيادة النفسية والاجتماعية بإشراف أطباء مختصين.
وتابع شاكر: تلعب العيادة الاجتماعية دور مراكز التأهيل والتدريب من خلال مراجعة المريض للعيادة بعد الخروج من المركز بشكل دوري وهي قد لا تفي بالغرض وهناك خطة في الوزارة لإنشاء مركز للتأهيل والتدريب لو تم إحداثه ستكون له نظم وآليات سيستفيد منها المدمنون لمساعدتهم للابتعاد عن شبح المخدرات كما سيعطيهم المركز فرصة للابتعاد عن الحاضنة التي نشؤوا فيها .
أليسار قالت : يوجد مراكز علاجية ولا يوجد مراكز تأهيل وتدريب ينتقل إليها المريض بعد الانتهاء من العلاج لتأهيله، وهي ضرورية للمريض ويجب أن تحدد من قبل الطبيب المختص وبرأيي يجب ألا تقل المدة عن ستة أشهر ليكتسب المريض النظام الجديد من عادات إيجابية ونمط تفكير جديد ومهارات للتعامل والتواصل مع الآخرين وإيجاد عمل مناسب للمريض من خلال هذه المراكز لتغير البيئة المحيطة به ووجود هذه المؤسسة رفع من نسب نجاح العلاج لأن نسبة النكس الحالية تقدّر ب85% وهي نسبة عالية. وتابعت أليسار نحن نقدم الخطوة الأولى والخطوة الثانية الغائبة أهم لأن العيادة النفسية لا تكفي فأغلب المرضى لا يأتون بعد الخروج من المركز للعيادة الاجتماعية وبالتالي المريض يتحرك في دائرة مغلقة في حال غياب هذه المراكز.
أخيراً إذا جاز لنا أن نعدّ الإدمان مرضاً اجتماعياً فهذا يعني أنه بحاجة لمزيد من تظافر جهود كافة الجهات المعنية التعليمية والتربوية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني...الخ وفي هذا السياق نعرض لتجربة جمعية الإسراء الخيرية، يقول موفق الشهابي مسؤول في الجمعية: أحد أهم أهداف وبرامج هذه الجمعية التنمية والتوعية وخاصة في موضوع المخدرات والهدف هو إعادة تأهيل وتدريب المدمنين.
ويضيف كانت أولى محاولات الجمعية عام 2007 من خلال ندوة و وكان أغلب المشاركين من أهالي المدمنين وفي عام 2008 حاولنا الوصول إلى المدمنين لأنها الفئة المستهدفة من خلال توزيع بروشرات في المناطق العامة ومعرض صور يظهر مخاطر الإدمان وتأثيراته وبالفعل من خلال هذه الندوة التي كانت لمدة يومين حاضر فيها عدد من أصحاب الاختصاص في مجال الإدمان وإظهار مضاره ومخاطره من الجانب الطبي إلى القانوني والنفسي ... وكيفية معرفة المدمن والمفاجأة كانت حضور أربعة عشر مدمناً يطلبون المساعدة والعلاج وقال موفق الشهابي: تابعنا الأربع عشرة حالة وأرسلناهم إلى مراكز العلاج وكان معظمهم من مدمني الحبوب المخدرة «المسكنة والمهدئة» وكانت أغلب الحالات ناجحة بالرغم من أن بعض الحالات عادت للتعاطي ولكن الأغلب نجحت وتشافت وقال نحن من خلال الجمعية نحاول مساعدة المدمنين وإرشادهم ومساعدتهم ومتابعتهم ونتمنى لو نستطيع تأهيلهم وتدريبهم .
إحصائيات ....
تقول الباحثة الاجتماعية أليسار :
ممارسو الأعمال الحرة هم الأكثر في نسب المتعاطين، أما الأقل فلدى الموظفين، وأكبرها عند السائقين وخاصة سائقين المسافات الطويلة ونحن كمركز للعلاج طلبنا إجراء تحليلات دورية عشوائية للسائقين.
أما نسبة الإناث المتعاطيات بالنسبة للشباب فهي2%، وتتراوح أعمار متعاطي الحبوب المهدأ بين الخامسة عشرة والثلاثين.
وتبين إحصائيات المرصد الوطني للشباب خلال عشرة الأشهر الأولى من عام 2008، أن هناك
848 حالة 830 رجال و18 حالة إناث منها:
للهيروئين: 588 حالة 579 ذكور 9 إناث .
كوكائين: 16 حالة 15 ذكور 1 إناث.
حشيش: حالتان ذكور.
كحول: 94 حالة.
مشتقات: حالة واحدة.
والتعاطي الدوائي ـ أفيونات 138حالة 131ذكوراً 7 إناث .
ـ ديازيبامات 19ذكوراً .
ـ بينزوهكسول 20 حالة 19 ذكوراً واحدة إناث.
ووسطي الأعمار لكل الحالات 35 سنة.
عماد .ع طالب من الطلاب المتفوقين في إحدى المدارس قدم له صديقه أحد أنواع الحبوب المهدئة في كأس من الشاي دون علمه ولا نعرف إذا كان دافع الغيرة هو الذي سمح لزميله أن يضع له هذه المادة، والنتيجة أن الأمر لم يكن كذلك فزميله وبعد سنوات ارتكب جريمة قتل. وكما يقول أحد أعضاء الكادر التدريسي في مدرسته أنه أصيب بعمى بصري و اضطربت جمع تصرفاته ولم يعد إنساناً طبيعياً.
والسؤال هنا هل هذه الحالة تمثل ظاهرة في مدارسنا أم هي مجرد حالة فردية؟
تقول معاون مدير المرصد الوطني للشباب والباحثة الاجتماعية أليسار علي فندي: في محاضرة كنت ألقيها وكان موجود فيها حوالي 200 شاب معظمهم من طلاب المدارس و المفاجأة أن أغلبية الشباب تعرف أسماء الأدوية المهدئة والمسكنة وكان ذلك من خلال سؤال بسيط كم نوع من أنواع الحبوب تعرفون ؟ والمأساة أن جميع هؤلاء الشباب فرحون بوجود المواد في متناول أيديهم والحجة حبة دواء ننسى ونرتاح ونزيل القلق وكأنها تسلية والخطر يكمن أن تناول هذه الحبوب في بداية العمر سيحدث عدم التوازن، أي بدون حبة لا أستطيع التحرك والتفكير ويعتقد أنه بكل مشكلة هناك حبة دواء ستحل المشكلة فالإدمان بالدرجة الأولى اعتماد نفسي لأن الاعتقاد أن الحبة هي التي ستحل المشكلة. وتؤكد أليسار أن أعمار متعاطي الحبوب المهدئة تتراوح بين الخامسة عشرة والثلاثين.
قبل الخوض في تأثير الحبوب المخدرة التي تأخذ أصلاً بهدف علاجي فإنها تصل إلى أيدي الأطفال والشباب بطرق متعددة منها أن تكون هذه الأدوية مستخدمة من قبل أحد أفراد العائلة، المصدر الآخر أن يتم الاحتيال على الصيدلاني من خلال وصفة طبية (هذا إذا افترضنا حسن النية بالصيدلاني)، المصدر الأكثر شيوعاً هو تجار متخصصون في هذا المجال، شأنهم شأن أولئك الذين يروّجون للمخدرات والحشيشة.
أما ماهية تلك الحبوب فيوضحها اختصاصي التخدير الدكتور محمود طلوزي: الحبوب المهدئة ومسكنات الألم تؤدي للإدمان بالرغم من أنها وجدت لعلاج الأمراض النفسية وتسكين الألم في الأمراض المزمنة ولكن لها تأثير مهدئ ومسكن وهي لا تسبب الإدمان إذا أوقفها الطبيب في الوقت المناسب والسبب في الإدمان عليها يعود أن مشتقات الدواء النهائية تشابه مشتقات المخدرات « كالمورفين .. ».
يضيف طلوزي: الأدوية المسكنة والمهدئة تأخذ لفترة قصيرة بأمان ودون مشاكلات ولكن أخذها لفترات طويلة يسبب الإدمان ولذلك يلجأ البعض لتعاطيها من أجل النشوة لما فيها من مواد مخدرة. فاستخدام الدواء بأصوله لا يسبب مشكلة فالكورتيزون صنع كدواء لعلاج بعض الأمراض ولكن إساءة الاستعمال أوجدت سمعة سيئة لهذا الدواء.
فأخذ الدواء لأكثر من خمسة عشر يوماً يؤدي للإدمان، إذ سيطلب الجسم زيادة الجرعة لتصل إلى عشرين حبة وأكثر، وهناك بعض الأشخاص الذين اعتادوا على تعاطي الهيروئين والحشيش وعندما لا يستطيعون الحصول عليه يستبدلوه بحبوب مهدئة ومسكنة للحصول على النشوة .
ومن نماذج سوء الاستخدام ما حدث مع عاهد خريج معهد موسيقا ويعمل عازف أورغ وهو متزوج لديه بنت في الصف الثاني وولد عمره ثلاث سنوات يقول : كنت في الصف العاشر عندما أصبت بحالة اكتئاب وبدأت أخذ الحبوب المهدئة عن طريق الوصفات الطبية النظامية وكنت في كل سنة أنتكس ولم يبق حب في العالم لم أتناوله فكل طبيب يشخّص لي الحالة على شكل آخر ويغير لي الدواء وأنا من ثلاث عشرة سنة أتناول الحبوب المهدئة وأبدل الوصفات كما يحلو لي ، بدأت بحبة والآن أتناول بين عشرين و ثلاثين حبة وقبل أن أنام أتناول عشر حبات، والظروف النفسية هي التي قادتني إلى هذه الحالة ودون الحبوب لا أستطيع أن أعمل ولا حتى الحركة جئت للمشفى بإرادتي وحاولت التخلص ولكنني لم أستطع.
أما فوزية فهي من أسرة مكونة من ستة أشخاص كانت مدللة ولم تحرم من شيء في طفولتها ، درست للمرحلة الإبتدائية والمستوى التعليمي للعائلة متدن، متزوجة ثلاث مرات، الزواج الأول بعمر الرابعة عشر استمر لمدة ست سنوات وكان خطيفة لرفض الأهل لهذا الزواج ، أنجبت ولدين وكانت معاملة الزوج قاسية وصعبة، أما الزوج الثاني كان يتعاطى الهيروئين وهو من عوّدها عليه، توفي بجرعة زائدة وتزوجت من أخوه الذي يتعاطى أيضاً تقول : كنت أعاني من حالة عصبية بعد الزواج الأول لرفض زوجي إعطائي أولادي وبدأت أتناول الحبوب المهدئة عن طريق وصفة طبية من الطبيب وبعدها اعتدت على الدواء ولم أستطع أن أوقفه وبعد حوالي سنة ونصف السنة من تعاطي الدواء عرض علّي زوجي الثاني الهيروئين على أنه مقوٍ جنسي فاعتادت عليه وأنا أتعاطى غرامين من الهيروئين باليوم .
لا يقتصر الوقوع في مستنقع التعاطي على الاستخدام السيىء للدواء فهناك حالات تقف وراءها ظروف نفسية واجتماعية سيئة
تقول الباحثة أليسار: بعد الدراسة الميدانية للتعاطي سواء كان دوائياَ أو أفيونياً أو كحولياً وحتى أي شيء مذهب للعقل يمكن القول إن التربة النفسية التي يتمتع بها الإنسان وتركيبته النفسية من أهم الأسباب التي تجعل الإنسان عرضة للإدمان فالمواصفات التي تتمتع بها الشخصية «فئة عالية الخطورة» يعني بمعنى آخر الشخصية المعرضة لاحتمال حصول تعاطي وبالتالي إدمان، وأهم الشخصيات هي الشخصيات التي تميل لعدم الاتزان في فترة المراهقة والشخصية الغيورة التي لا تتمتع بالصبر، أي الشخص الذي يحتاج إلى أشيائه بشكل آني والشخص الكذوب و الذي لا يحتفظ بصديق والمتابعة في المدرسة شيء أساسي فتقرير المدرّس مهم ، الطفل الذي يميل للتغيب عن المدرسة والمشاغبة وإيذاء زملائه يشكل لديه عامل مؤهل لوجود الإدمان وحدوث إدمان في المستقبل فالتدخين المبكر في عمر عشر السنوات في غاية الخطورة وهو أحد العوامل المؤهبة والمعرضة لحدوث إدمان.
ولعل أحد النماذج التي تعرضنا لها والتي كانت ضحية ظروف محيطة كانت أماني وهي من أسرة مكونة من تسع أشخاص الأب موظف يحمل الشهادة الإعدادية، أخرجت من المدرسة في الصف التاسع برغبة الأهل بالرغم من أنها متفوقة فالأهل ينظرون أن خروج الفتاة من البيت أمر معيب حسب العادات والتقاليد والأم لها دور متسلط في المنزل وهي التي تتخذ القرارات، تزوجت في عمر الرابعة عشرة وكانت العلاقة متوترة مع الزوج لعدم الاهتمام وتوجهه لجمع المال، حاول الاتجار بها وبسبب رفضها تعرضت للحبس والحرمان من الطعام مع أولادها، حدث الطلاق بعد تنازلها الكامل عن حقوقها وبعد الطلاق بعام تزوجت زواجاً عرفياً بالسر من شخص يكبرها بستة وثلاثين عاماً بسبب وضعه المادي الممتاز تقول : جرّبت بداية حباً منوماً كانت تستخدمه جدتي وارتاحت عليه و بسبب الضغوط جربت أنواعاً أخرى من الحبوب لتهدئة ونسيان الواقع وتخفيف عصبيتي تجاه أولادي وحاولت العلاج عدة مرات عند أطباء نفسيين ولكني لم أستفد وحاولت الانتحار أكثر من ست مرات بجرعات زائدة وسم وكهرباء ولكنها باءت بالفشل .
أما مرام فعمرها سبع عشرة سنة من أسرة مكونة من خمسة أشخاص كانت مرحلة الطفولة صعبة بسبب الوضع المادي الصعب والخلافات الأسرية المستمرة بين الوالدين والمستوى التعليمي للوالدين متدنٍ درست المرحلة الإبتدائية تزوجت وهي في سن الخامسة عشرة من ابن خالتها ولكن الزواج لم يستمر أكثر من شهر تقول: بدأت أتعاطى بعمر مبكر «إحدى عشرة سنة» بعد تعرضي لحادث سير تأذت منه قدمي وكنت أعاني من آلام شديدة بسبب الحادث في بداية الأمر أعطتني جارتي مادة البودرة على أنها دواء مسكن للألم قوي وفعال وكانت تقدمها لي مجاناً و كما عرضت عليّ الكوكائين على أنه دواء أقوى وبعد ذلك بدأت تطلب المال مقابل البودرة وكنت أعمل المستحيل لتأمين المبلغ وحاولت أن أتركه قبل زواجي ولكني لم أستطع لأني أشعر برغبة لها. وأنا أتعاطى غرام هيروئين أو كوكائين في اليوم وأتيت للمركز للعلاج بمساعدة والدي.
قد يكون من الصعوبة بمكان أن نفصل بين المسببات الاجتماعية وغيرها من المسببات الأخرى إلا في السياق النظري فالجهل حوّل غادة إلى مدمنة فهي من أسرة مكونة من ثلاثة عشر شخصاً وهي الكبرى والوضع التعليمي للأسرة متدنٍ وصلت للصف الخامس وتزوجت في سن الثالثة عشرة واستمر الزواج لمدة سبع سنوات أنجبت ثلاثة أطفال وبسبب الخلافات بين الزوج وأهله وعدم الانسجام حدث الطلاق، بقيت أربع سنوات في بيت أهلها وتزوجت مرة ثانية تقول : بدأت بالتعاطي منذ سنة ونصف السنة عن طريق زوجي الثاني الذي عرض عليّ الهيروئين كمقوٍ جنسي ومن ثم الكوكائين وكان لي قبل ذلك تعاطٍ دوائياً وكحولياً بشكل منقطع وكل هذا من أجل النشوة والمتعة ولم أكن أعلم أن المخدر سيصل بي هذا الحد .
أما خالد فهو الآخر ضحية الجهل عمره اثنتان وعشرون سنة وحيد على ست بنات درس المرحلة الإعدادية ويعمل دهاناً يقول : أنا من النوع الخجول جداً بدأت بالتعاطي قبل أن أتعرف على خطيبتي وكنت خجول جداً فنصحني صديقي بالحب لأكسر الخجل فأخذت حبتين وبعد ترك خطيبتي والمشكلات التي حدثت معي ووفاة والدي بدأت أزيد الجرعة إلى أن وصلت إلى أربعين حبة باليوم وأنا ثاني مرة آتي للمركز لطلب العلاج وهذه المرة أتيت بسبب الأوجاع والآلام الجسدية والنفسية التي تصيبني فعندما لا أستطيع شراء الحب أصاب بنوبات وأنا أتعاطى من أجل البسط والمتعة وكسر الخجل وأنا بطبيعتي خجول ووحيد ومعظم أصدقائي يتعاطون الحبوب .
تقول أليسار فندي: نحن بحاجة إلى مسألتين مهمتين إحداهما الجمعيات الأهلية التي تدعم الشباب بمختلف المراحل العمرية من توعية وإرشاد خلال المحاضرات والندوات وورشات العمل, والمسألة المهمة الأخرى الإعلام الذي يجب أن يأخذ دوره من المختصين لأن هذا الجانب بغاية الخطورة إذا لم يكن المتكلم مختصاً وملماً بالجانب العملي ومقيم بالعمل لأن أي كلمة قد تؤثر فالمرشد والناصح يجب أن يكون واعياً ومنتبه لأي كلمة يقولها لأنها قد تؤدي بالمستمع إذا لم يحسن استخدامها إلى التجربة.
وتشدد أليسار على أن التوعية يجب أن تكون منذ الطفولة: « التركيز ضروري ومهم في مرحلة الطفولة وإذا وضعنا الإدمان تحت المجهر نحصل على معادلة ، مرحلة طفولة جيدة ـ تربية سليمة وتحصين جيد ـ فترة مراهقة جيدة تعطي إنساناً ناجحاً بحياته ومحصناً من جميع المخاطر وعند اضطراب أي مرحلة من هذه المراحل سيكون الإنسان فاشلاً ويتعرض لمخاطر الإدمان والانحرافات الأخرى ، فمرحلة رياض الأطفال عامل مهم والتربية من سنة إلى خمس سنوات مرحلة بغاية الخطورة يجب أن تأخذ حقها لأن الطفل يثبت بشخصيته في هذه المرحلة للمستقبل ، فكثير من الشباب تعرضوا لمخاطر الإدمان ولم يدمنوا وشباب أمام أول ضربة وسوء حظ تعرضوا للإدمان وهذا عائد لمرحلة الطفولة التي قد تكون جيدة أو سيئة» .
رفاق السوء في معظم الأحيان حاضرون في مثل هذه الأمور فمازن عمره أربعون سنة متزوج ولديه أربع أولاد أكبرهم بنت عمرها ثماني عشرة سنة يعمل في ورشة لصنع الجزادين يقول : بدأت التعاطي عن طريق شخص أعطاني شراب سعلة في سبيل التجربة وشعرت بنشوة كبيرة أعجبتني واستمررت بتعاطي الشراب لمدة ومن ثم بدأت أتعاطى الحبوب ولم أكتف، وبعدها عرض الشخص نفسه عليّ البودرة وبدأت بشمة ومن ثمة تعلمت ضرب الإبر كي لا يضيع عليّ أي شيء من النشوة وكنت أسحب أجار الجمعة من أول يومين من الأسبوع لتأمين الهيروئين وعندما لا أستطيع تأمين المال أعاود تعاطي الحب لأنه أرخص ولا أستطيع العمل ولا التحرك إذا لم أتعاط ، وعن قدومه للمركز للعلاج قال : أقنعني صديق يتعاطى وهو طبيب بالحضور للمركز للعلاج وقال لي من يذهب بإرادته للعلاج لا يتحاسب ولا يسجن أويعاقب وأتيت للمركز للعلاج أول مرة ولكني لم أتحمل وهربت من اليوم الثاني ولكن بإصرار من أهلي وأبنائي عدت للمركز وتعالجت وبقيت سنة كاملة لا أتعاطى ولكن بأول مرة أشعر بها بالفراغ عدت للتعاطي .
أما ماجد فقد تعرف على ليلى واستمرت العلاقة بينهما ثلاثة أشهر ولم تظهر عليها أي مشكلة في تلك الفترة، وبعد الزواج كما يقول قضينا أربعة أشهر من أجمل أيام العمر وكانت في تلك الفترة تأخذ نوعاً من الحبوب بحجة ألم في الظهر وكنت أحياناً أحضر لها الحب مع أنه ممنوع ولا يعطى إلا بوصفة طبية دون أي شك، وبسبب أمر تافه تقلب حياتنا رأساً على عقب لأواجه أول نوبة تقع بها وتهددني بقتل نفسها وتطلب مني أن أحضر لها الحب في الساعة الرابعة صباحاً و بالوقت نفسه وجدت المبرر لأن الصيدليات لا تفتح وقالت لي سأتصل بصيدلية وبالفعل اتصلت وذهبت لإحضار الدواء بعد أن واعدت صاحبة الصيدلية وفتحت لي وأعطتني الدواء مقابل مبلغ 75ليرة مع أن سعر الدواء أرخص بكثير وهدأت بعد أن أخذت الحب، أخبرت أهلها بالحادثة وفوجئت بعلم أهلها و دخولها للمركز للعلاج أكثر من مرة وخلال الفترة القصيرة التي بقيت معها دخلت للمركز مرتين ولكن للأسف لم أستفد أي شيء سوى دفع المال, وكانت تأخذ أكثر بعد خروجها من المركز ومتوسط تعاطيها للحبوب أكثر من ثلاثين حبة في اليوم، وعن بداية التعاطي قال لا أعرف .
بعد هذا العرض يبقى السؤال المفتوح دائماً هل المدمن ضحية أم جانٍ؟
بداية، الإدمان:هو التعاطي المتكرر لمادة نفسية تصل لدرجة أن المتعاطي يرفض و يعجز عن الانقطاع عن المادة وهو مرض مظهره البسيط تناول مادة دوائية كالمخدرات والحبوب المهدئة و المسكنة والكحول وغير دوائية كالتدخين والبنزين الممتاز والمواد اللاصقة .
وهناك قاعدة تقول: لا يحدث الإدمان عند شخص سوي ولا بد من توافر عوامل نفسية حتى يحدث الإدمان فالإدمان يحدث عند الشباب الذين لديهم مشكلات منزلية وبطالة ،المدمن يوم مدمن كل وم، بمعنى أن المدمن على المخدر والكحول عند علاجه والنجاح بذلك يكفي أن يتناول ولو كمية بسيطة من المادة ليعود بسرعة للإدمان وكأنه لم يعالج .
أما مدير المرصد الوطني للشباب الدكتور غسان شاكر يقول : نحن ننظر للمدمن على أنه مريض (ضحية) وليس مذنباً أما في حال تورطه في قضية قانونية أو جنائية فهذا جانب قانوني، فنحن في المركز نستقبل المدمن كمريض ليس عليه أي مشكلة قانونية، وفي حال قدومه لطلب العلاج والمساعدة وتعدى أمور الإدمان وكانت له انحرافات قانونية فإنه سيعاقب عليها. أما أليسار فندي فترى أن المريض مذنب إذا أصرّ على الإدمان رغم الظروف التي تتاح له للخروج من حالة الإدمان.
إلا أن عاهد (أحد المتعاطين) يقول: هذه المرة الثالثة التي أدخل فيها المستشفى (يقصد المرصد) للعلاج ولكني لم أستفد وأنا في هذا المركز أتعامل مع حثالة المجتمع من متعاطين هروئين وغيرهم لأننا في الغرف نفسها ولا يجوز أن أكون معهم فأنا قدمت إلى المركز للعلاج .
ويوضح الدكتور غسان شاكر عمل المرصد بقوله: المرصد الوطني لرعاية الشباب تأسس عام 2003 وهو المستشفى التخصصي الوحيد لعلاج المرضى المدمنين «مشتقات أفيونية ، مهلوسات منشطات مواد دوائية وكحول» قبل افتتاح المركز كان عبارة عن شعبة للعلاج في مستشفى ابن النفيس أسست عام 1939 وتزامنت مع صدور قانون المخدرات الذي صدر عام 1993 وأعطى المدمنين فرصة للعلاج بشكل مجاني وسري وطوعي وهي من مهمة وزارة الصحة ويضم المرصد عيادة نفسية واجتماعية وعيادة علاجية للإدمان تقدم بروتكولاً علاجياً حديثاً مدته خمسة عشر يوماً كما يهتم المرصد بهذه الحالات ويقدم العلاج النفسي ويقسم إلى ثلاثة أقسام سلوكي وداعم ومعرفي من خلال العيادة النفسية والاجتماعية بإشراف أطباء مختصين.
وتابع شاكر: تلعب العيادة الاجتماعية دور مراكز التأهيل والتدريب من خلال مراجعة المريض للعيادة بعد الخروج من المركز بشكل دوري وهي قد لا تفي بالغرض وهناك خطة في الوزارة لإنشاء مركز للتأهيل والتدريب لو تم إحداثه ستكون له نظم وآليات سيستفيد منها المدمنون لمساعدتهم للابتعاد عن شبح المخدرات كما سيعطيهم المركز فرصة للابتعاد عن الحاضنة التي نشؤوا فيها .
أليسار قالت : يوجد مراكز علاجية ولا يوجد مراكز تأهيل وتدريب ينتقل إليها المريض بعد الانتهاء من العلاج لتأهيله، وهي ضرورية للمريض ويجب أن تحدد من قبل الطبيب المختص وبرأيي يجب ألا تقل المدة عن ستة أشهر ليكتسب المريض النظام الجديد من عادات إيجابية ونمط تفكير جديد ومهارات للتعامل والتواصل مع الآخرين وإيجاد عمل مناسب للمريض من خلال هذه المراكز لتغير البيئة المحيطة به ووجود هذه المؤسسة رفع من نسب نجاح العلاج لأن نسبة النكس الحالية تقدّر ب85% وهي نسبة عالية. وتابعت أليسار نحن نقدم الخطوة الأولى والخطوة الثانية الغائبة أهم لأن العيادة النفسية لا تكفي فأغلب المرضى لا يأتون بعد الخروج من المركز للعيادة الاجتماعية وبالتالي المريض يتحرك في دائرة مغلقة في حال غياب هذه المراكز.
أخيراً إذا جاز لنا أن نعدّ الإدمان مرضاً اجتماعياً فهذا يعني أنه بحاجة لمزيد من تظافر جهود كافة الجهات المعنية التعليمية والتربوية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني...الخ وفي هذا السياق نعرض لتجربة جمعية الإسراء الخيرية، يقول موفق الشهابي مسؤول في الجمعية: أحد أهم أهداف وبرامج هذه الجمعية التنمية والتوعية وخاصة في موضوع المخدرات والهدف هو إعادة تأهيل وتدريب المدمنين.
ويضيف كانت أولى محاولات الجمعية عام 2007 من خلال ندوة و وكان أغلب المشاركين من أهالي المدمنين وفي عام 2008 حاولنا الوصول إلى المدمنين لأنها الفئة المستهدفة من خلال توزيع بروشرات في المناطق العامة ومعرض صور يظهر مخاطر الإدمان وتأثيراته وبالفعل من خلال هذه الندوة التي كانت لمدة يومين حاضر فيها عدد من أصحاب الاختصاص في مجال الإدمان وإظهار مضاره ومخاطره من الجانب الطبي إلى القانوني والنفسي ... وكيفية معرفة المدمن والمفاجأة كانت حضور أربعة عشر مدمناً يطلبون المساعدة والعلاج وقال موفق الشهابي: تابعنا الأربع عشرة حالة وأرسلناهم إلى مراكز العلاج وكان معظمهم من مدمني الحبوب المخدرة «المسكنة والمهدئة» وكانت أغلب الحالات ناجحة بالرغم من أن بعض الحالات عادت للتعاطي ولكن الأغلب نجحت وتشافت وقال نحن من خلال الجمعية نحاول مساعدة المدمنين وإرشادهم ومساعدتهم ومتابعتهم ونتمنى لو نستطيع تأهيلهم وتدريبهم .
إحصائيات ....
تقول الباحثة الاجتماعية أليسار :
ممارسو الأعمال الحرة هم الأكثر في نسب المتعاطين، أما الأقل فلدى الموظفين، وأكبرها عند السائقين وخاصة سائقين المسافات الطويلة ونحن كمركز للعلاج طلبنا إجراء تحليلات دورية عشوائية للسائقين.
أما نسبة الإناث المتعاطيات بالنسبة للشباب فهي2%، وتتراوح أعمار متعاطي الحبوب المهدأ بين الخامسة عشرة والثلاثين.
وتبين إحصائيات المرصد الوطني للشباب خلال عشرة الأشهر الأولى من عام 2008، أن هناك
848 حالة 830 رجال و18 حالة إناث منها:
للهيروئين: 588 حالة 579 ذكور 9 إناث .
كوكائين: 16 حالة 15 ذكور 1 إناث.
حشيش: حالتان ذكور.
كحول: 94 حالة.
مشتقات: حالة واحدة.
والتعاطي الدوائي ـ أفيونات 138حالة 131ذكوراً 7 إناث .
ـ ديازيبامات 19ذكوراً .
ـ بينزوهكسول 20 حالة 19 ذكوراً واحدة إناث.
ووسطي الأعمار لكل الحالات 35 سنة.








