النملة الحدباء
خيري منصور: قبل اربعة عقود كان تعبير العصفور الأحدب الذي جعله الراحل الماغوط عنوانا لمسرحية كوميدية يرشح دمع التراجيديا منها يليق بأمة أفقدها التاريخ الشـَّدَّة فوق الميم بتحولت الى أمَة، ومن قايضوا صقر قريش بشاحنة حنطة، هم الذين تفننوا في التعذيب على طريقة الدحّام، والتي ليست استثناءً من تاريخ التنكيل الذي كتب عنه هادي العلوي، بطريقة تجعل تعذيب المسيو دميان الفرنسي كما وصفه ميشيل فوكو مجرّد نزهة أو دعابة، ومرت العقود الأربعة لتشهد جملة من الانهيارات التي لم يسلم منها شيء، فلا ثقافة ولا تعليم ولا صحة ولا مواطنة ولا حرية حتى في حدّها الشخصي الأدنى، وما كان لكاتبة عربية ان تجرؤ على تسمية كتاب لها عن احوال التعليم 'لا تربية ولا تعليم'، لولا انها رأت عن كثب وبأم العين التجهيل وهو يتحول الى استراتيجيات قومية في العالم العربي، ويكفي للمرء ان يتذكّر عشرة عناوين فقط لكتب صدرت خلال هذه الآونة كي يدرك أن البوصلة الاخلاقية اصابها العطب، وأن الملح قد فسد والنّخب ارتهنت من اجل جُحر ورغيف حتى لو كان مغمسا بماء الوجه لا بالعرق، فالعرب الذين طُردوا من التاريخ حسب عنوان كتاب للدكتور فوزي منصور هم نموذج الانسان المقهور وفق عنوان آخر للدكتور مصطفى حجازي وهم ايضا مثال الدولة الرخوة تبعا لعنوان ثالث لأحد مؤلفات د . جلال أمين، ولم يبق الا ان نقرأ عناوين من طراز ذلك الذي جازف به سيد الحردلو قبل أكثر من اربعة عقود وهو ' ملعون أبوك أمّة'، بدلا من ' ملعون أبوك بلد'، ويكفي أن يتخيل المرء خمسين عربيا على الأقل يقتادهم اسرائيلي واحد نحو المقصلة، ثم يشتبكون كالخراف في الطريق الى الموت، وينزو بعضهم على البعض الآخر، ويفترس مرضاهم موتاهم، فما من مشهد سوريالي يبدو غريبا اذا أراد من يصوره على ان يقدم هذه البانوراما الصفراء، وهذه الكوميديا القومية التي لم تعثر على مؤلف بعد، لأنها أشد اثارة وتعقيدا من كوميديا دانتي الالهية وكوميديا بلزاك الأرضية، وسائر الكوميديات السوداء التي عرفها التاريخ، ويبدو ان عدم المجازفة في الشهادة على واقع بلغ هذا الحدّ من الاستنقاع والعطن لا يعود الى قصور في الوعي، بقدر ما هو نتاج حالة الارتهان التي تعيشها النّخب بعد ان قررت بأن بلوغ سن الرّشد المعرفي هو اقتفاء خطوات بطل مسرحية ' الفيل يا ملك الزمان' لسعد الله ونّوس، فالوعي أصبح معكوسا، ومعروضا للبيع او الايجار كالبنادق، وقرر سعد ان ينجو بجلده بعد أن رأى أخاه سعيد يحترق ويتحول الى رماد !
هكذا تضاءل عصفور الماغوط الأحدب ليصبح نملة حدباء وهي ما يسمى النمل الأبيض او الأرضة التي تقضم أنوف الأسلاف المعلقة صورهم على الجدران وتحول الكتب الى نشارة ورق ثم تنتهي الى هباء !
المناسبات التي تستدعي مثل هذه التداعيات يومية بل هي على مدار اللحظة، فلا الجامعة جامعة ولا الأسرة اسرة ولا المثقف مثقف ولا السلطة سلطة، انها منظومة من الأشباه، أقرب الى عيّنات زائفة في زمن بلغت فيه المحاكاة ذروتها، وطردت فيه العملة الرديئة العملات كلها، واستولى الكومبارس على دور البطولة، وأصبح للخونة تماثيل في ساحات العواصم، بينما قتل الموتى عدة مرات، وثمة من يتم انتزاعهم من القبور في قيامات قسرية كي يعاقبوا على ما اقترفوا حتى لو كان هذا الاقتراف لاستشهاد او افتداء او لأي سبب مناقبي آخر !
'''
لم يخطر ببال جورج اورويل عام 1948 ان ما سوف يتنبأ به لن يصدق على نظم شمولية في الشرق او على رأسمالية ذات أنياب في الغرب بقدر ما سوف يصدق على عالمنا العربي، لهذا فإن التزامن بين كتابة رواية ' 1984 ' واحداث النكبة في فلسطين يدعو الى التأمل رغم ان الأمر لم يكن سوى مصادفة، فالعرب وليس غيرهم من أعدّوا انقلابا جذريا على قاموسهم بحيث تعني المفردات عكس دلالاتها، وحين سموا الاحتلال تحريرا، والخضوع تحالفا والتبعية مشاركة كانوا يقدمون مجالا حيويا بامتياز لنبوءات أورويل، ولو أخذنا عينات من اعلامهم لاتضح الامر اكثر، حيث سُـمـّيَت الهزائم انتصارات، والانحناء امام العدو جنوحا للسلم، مثلما سميت المقاومة ارهابا، اما المعتدل فهو الحرباء شديدة التأقلم بحثا عن النجاة، والمتطرف هو ذلك الذي اقترب خطوة واحدة من ذاته، ليحول سؤالا أعزل ومزمنا الى مساءلة! وحين نبدد الوقت في سجالات عقيمة حول تقارير التنمية الاقليمية والدولية عن احوالنا، ننسى ان النظم السياسية في هذا العالم العربي متخصصة في الأنيميا، لا في التنمية، فهي تطلق بعوضها في كل الاتجاهات، وتستثمر التجهيل والتخلف لأنهما الضمانة الاكيدة لادامة الحال، ووضع المصدّات والمعوقات ضد أية نزعة للتغيير، والذباب وحده الذي لا يفرق بين الحوى والدم، وبين الجيفة والضحية، لهذا تتلمذ ذباب الصحافة والثقافة والسياسة على هذا الدرس، الذي توارثه شهود الزّور منذ الكهف حتى الانترنت، وان كانوا يجرون عليه تعديلات تليق بالتطور التكنولوجي، وقد يصدرونه في طبعات جديدة ملقّحة بالذباب وليست منقّحة من الأخطاء، وما كان الحال ليصل الى ما نحن عليه، لولا ان العوامل تفاقمت واصبح النقد الذاتي محرّما في زمن ادّعاء المعصومية واحتكار الحقائق، حتى لدى هؤلاء الذين جعلوا من الاحتكار توأما للاحتقار، فأقصوا كل من اختلف معهم حتى في ابداء رأي حول درجة الحرارة، او نسبة الرطوبة في الهواء! وتكرار القول بأن العرب لا يقرأون هو نصف الجملة التي حذف منها المبتدأ، فهم ايضا لا يكتبون، اذا اعدنا الاعتبار الى مهنة الكتابة خارج الاحتراف، فالكتابة عندما يتفشى الوباء ويصبح كل شيء مباحا، ويختلط حابل الدم بنابل الماء تبحث عن خنادقها، وعن اطروحاتها المضادة للسّائد، وتسمي الاشياء بأسمائها، لكن الكتابة في زمن اسالة اللعاب على الجوائز، ورنين الاجراس البافلوفية لاثارة شهوات كلبية قد تصبح حاذقة في التهريب، وارتداء طاقية الاخفاء، وما يقال الآن في ذروة هذا الزمن الذرائعي عمن سجنوا او قتلوا او طوردوا يصورهم مجرد رومانسيين دفعوا ثمن قصور الوعي، لأن من بلغ الرشد وأقعى ينهر ذيله بعد احضار الفريسة للصيّاد هو الواعي الذي تخطّى الرومانسية والارث الوهمي لكل ما هو انساني ومبشّر بتجاوز الشروط التي تحاصر البشر ان كلاب الحراسة قد لا تدرك السّبب الذي تُعلف من أجله، تماما كما ان خراف العيد لا تعي ان تسمينها واحيانا علاجها المؤقت هو بسبب اعدادها للذبح وهي في ذروة العافية، لكن التاريخ لا يعبأ كالقانون بمن يجهلون ديناميته وجدليته وبالتالي فيزياءه الصارمة، التي تدفع الناس الى محاكمة من خذلوهم وخانوهم واكلوا لحم اطفالهم ولو بعد ألف عام، تماما مثلما يعاد الاعتبار الى قديسين واصلاحيين مبدعين عوقبوا في زمانهم لأنهم لم يتغزلوا بالعين العوراء ولم يذبحوا القصائد بأجنحة السّلاحف وسيقان الأفاعي !
'''
لم يبق غير القليل كي يتضح المشهد على نحو بانورامي فالسيل تجاوز الزّبى وهو هذه المرة من دمع ودم وليس من ماء، والخاسرون لم يبق لديهم ما يخسرونه غير الألم والمكابدات والجوع، لهذا فالطوفان وشيك، ومن راهنوا على تدجين البحار والمحيطات بأن يصبّوها في جرار آسنة او زجاجات جرفهم تيار تلك البحار عندما أزفت نوبة المدّ، وعفّ عنهم عندما عاد الى شاطئه تاركا جيفهم تتحجّر كالاسماك الميتة. ان على من تعلّم القراءة والكتابة حتى في حدّهما الأدنى ان يدرك أن هذه الآونة هي فرصته التاريخية والاخلاقية لتجريب كل ما قرأ او كتب كمفتاح في هذا القفل الذي سمله الصدأ، وما من كارثة حلّت بأمة يصل تعدادها إلى اكثر من ربع مليار وتعيش على مساحة قارة تتجاوز اربعة عشر مليون كيلو متر مربع بحيث تحولت الى نملة حدباء، إلا وكان للأدّلاء الذين خانوا ذويهم فيها النصيب الاكبر، فلولا شهود الزور وذباب الجيف، والضّباع المتربّصة بما تعفّ عنه السلطة الضارية من جلد وعظام لما اصبح الحال على ما هو عليه... لأن هؤلاء ساهموا في ابتكار ميداس عربي مضاد ومعكوس لميداس الاسطورة، وهذا الميداس هو الذي حوّل النعمة في كل شيء الى نقمة، مثلما حوّل الكثرة الى قلّة، والفائض الى مديونية، فالسّلطة عندما تصاب بالشلل والكساح تبحث عن مثقف أعمى يحملها على كتفيه لكنه ينفذ اوامرها تبعا لاتجاهات بوصلتها، فهو مجرد أقدام مستعارة، ونحن كعرب نعيش الآن هذه المقايضة وتجلياتها في كل شعاب حياتنا، سياسيا وثقافيا واقتصاديا، ولو عدنا قليلا الى الوراء وتساءلنا لماذا غيّر الراديكاليون من قوميين واشتراكيين مواقفهم لوجدنا انهم لم يفعلوا ذلك تبعا لتطور الوعي، او كما حدث لكتاب من طراز لوكاتش وألتوسير وآخرين ممن تموّجت مواقفهم الفكرية تباعا لمراحل تطورهم، فالمثقف العربي لا يعود اليه الوعي كما حدث لتوفيق الحكيم الا بعد فوات الأوان، واحيانا بعد رحيل الزعيم، فهل كانت أربعة عقود كافية لتحويل عصفور الماغوط الأحدب الى نملة حَدْباء ناءت بما حملت على ظهرها من مؤونة هزيمة قادمة ؟؟؟؟
هكذا تضاءل عصفور الماغوط الأحدب ليصبح نملة حدباء وهي ما يسمى النمل الأبيض او الأرضة التي تقضم أنوف الأسلاف المعلقة صورهم على الجدران وتحول الكتب الى نشارة ورق ثم تنتهي الى هباء !
المناسبات التي تستدعي مثل هذه التداعيات يومية بل هي على مدار اللحظة، فلا الجامعة جامعة ولا الأسرة اسرة ولا المثقف مثقف ولا السلطة سلطة، انها منظومة من الأشباه، أقرب الى عيّنات زائفة في زمن بلغت فيه المحاكاة ذروتها، وطردت فيه العملة الرديئة العملات كلها، واستولى الكومبارس على دور البطولة، وأصبح للخونة تماثيل في ساحات العواصم، بينما قتل الموتى عدة مرات، وثمة من يتم انتزاعهم من القبور في قيامات قسرية كي يعاقبوا على ما اقترفوا حتى لو كان هذا الاقتراف لاستشهاد او افتداء او لأي سبب مناقبي آخر !
'''
لم يخطر ببال جورج اورويل عام 1948 ان ما سوف يتنبأ به لن يصدق على نظم شمولية في الشرق او على رأسمالية ذات أنياب في الغرب بقدر ما سوف يصدق على عالمنا العربي، لهذا فإن التزامن بين كتابة رواية ' 1984 ' واحداث النكبة في فلسطين يدعو الى التأمل رغم ان الأمر لم يكن سوى مصادفة، فالعرب وليس غيرهم من أعدّوا انقلابا جذريا على قاموسهم بحيث تعني المفردات عكس دلالاتها، وحين سموا الاحتلال تحريرا، والخضوع تحالفا والتبعية مشاركة كانوا يقدمون مجالا حيويا بامتياز لنبوءات أورويل، ولو أخذنا عينات من اعلامهم لاتضح الامر اكثر، حيث سُـمـّيَت الهزائم انتصارات، والانحناء امام العدو جنوحا للسلم، مثلما سميت المقاومة ارهابا، اما المعتدل فهو الحرباء شديدة التأقلم بحثا عن النجاة، والمتطرف هو ذلك الذي اقترب خطوة واحدة من ذاته، ليحول سؤالا أعزل ومزمنا الى مساءلة! وحين نبدد الوقت في سجالات عقيمة حول تقارير التنمية الاقليمية والدولية عن احوالنا، ننسى ان النظم السياسية في هذا العالم العربي متخصصة في الأنيميا، لا في التنمية، فهي تطلق بعوضها في كل الاتجاهات، وتستثمر التجهيل والتخلف لأنهما الضمانة الاكيدة لادامة الحال، ووضع المصدّات والمعوقات ضد أية نزعة للتغيير، والذباب وحده الذي لا يفرق بين الحوى والدم، وبين الجيفة والضحية، لهذا تتلمذ ذباب الصحافة والثقافة والسياسة على هذا الدرس، الذي توارثه شهود الزّور منذ الكهف حتى الانترنت، وان كانوا يجرون عليه تعديلات تليق بالتطور التكنولوجي، وقد يصدرونه في طبعات جديدة ملقّحة بالذباب وليست منقّحة من الأخطاء، وما كان الحال ليصل الى ما نحن عليه، لولا ان العوامل تفاقمت واصبح النقد الذاتي محرّما في زمن ادّعاء المعصومية واحتكار الحقائق، حتى لدى هؤلاء الذين جعلوا من الاحتكار توأما للاحتقار، فأقصوا كل من اختلف معهم حتى في ابداء رأي حول درجة الحرارة، او نسبة الرطوبة في الهواء! وتكرار القول بأن العرب لا يقرأون هو نصف الجملة التي حذف منها المبتدأ، فهم ايضا لا يكتبون، اذا اعدنا الاعتبار الى مهنة الكتابة خارج الاحتراف، فالكتابة عندما يتفشى الوباء ويصبح كل شيء مباحا، ويختلط حابل الدم بنابل الماء تبحث عن خنادقها، وعن اطروحاتها المضادة للسّائد، وتسمي الاشياء بأسمائها، لكن الكتابة في زمن اسالة اللعاب على الجوائز، ورنين الاجراس البافلوفية لاثارة شهوات كلبية قد تصبح حاذقة في التهريب، وارتداء طاقية الاخفاء، وما يقال الآن في ذروة هذا الزمن الذرائعي عمن سجنوا او قتلوا او طوردوا يصورهم مجرد رومانسيين دفعوا ثمن قصور الوعي، لأن من بلغ الرشد وأقعى ينهر ذيله بعد احضار الفريسة للصيّاد هو الواعي الذي تخطّى الرومانسية والارث الوهمي لكل ما هو انساني ومبشّر بتجاوز الشروط التي تحاصر البشر ان كلاب الحراسة قد لا تدرك السّبب الذي تُعلف من أجله، تماما كما ان خراف العيد لا تعي ان تسمينها واحيانا علاجها المؤقت هو بسبب اعدادها للذبح وهي في ذروة العافية، لكن التاريخ لا يعبأ كالقانون بمن يجهلون ديناميته وجدليته وبالتالي فيزياءه الصارمة، التي تدفع الناس الى محاكمة من خذلوهم وخانوهم واكلوا لحم اطفالهم ولو بعد ألف عام، تماما مثلما يعاد الاعتبار الى قديسين واصلاحيين مبدعين عوقبوا في زمانهم لأنهم لم يتغزلوا بالعين العوراء ولم يذبحوا القصائد بأجنحة السّلاحف وسيقان الأفاعي !
'''
لم يبق غير القليل كي يتضح المشهد على نحو بانورامي فالسيل تجاوز الزّبى وهو هذه المرة من دمع ودم وليس من ماء، والخاسرون لم يبق لديهم ما يخسرونه غير الألم والمكابدات والجوع، لهذا فالطوفان وشيك، ومن راهنوا على تدجين البحار والمحيطات بأن يصبّوها في جرار آسنة او زجاجات جرفهم تيار تلك البحار عندما أزفت نوبة المدّ، وعفّ عنهم عندما عاد الى شاطئه تاركا جيفهم تتحجّر كالاسماك الميتة. ان على من تعلّم القراءة والكتابة حتى في حدّهما الأدنى ان يدرك أن هذه الآونة هي فرصته التاريخية والاخلاقية لتجريب كل ما قرأ او كتب كمفتاح في هذا القفل الذي سمله الصدأ، وما من كارثة حلّت بأمة يصل تعدادها إلى اكثر من ربع مليار وتعيش على مساحة قارة تتجاوز اربعة عشر مليون كيلو متر مربع بحيث تحولت الى نملة حدباء، إلا وكان للأدّلاء الذين خانوا ذويهم فيها النصيب الاكبر، فلولا شهود الزور وذباب الجيف، والضّباع المتربّصة بما تعفّ عنه السلطة الضارية من جلد وعظام لما اصبح الحال على ما هو عليه... لأن هؤلاء ساهموا في ابتكار ميداس عربي مضاد ومعكوس لميداس الاسطورة، وهذا الميداس هو الذي حوّل النعمة في كل شيء الى نقمة، مثلما حوّل الكثرة الى قلّة، والفائض الى مديونية، فالسّلطة عندما تصاب بالشلل والكساح تبحث عن مثقف أعمى يحملها على كتفيه لكنه ينفذ اوامرها تبعا لاتجاهات بوصلتها، فهو مجرد أقدام مستعارة، ونحن كعرب نعيش الآن هذه المقايضة وتجلياتها في كل شعاب حياتنا، سياسيا وثقافيا واقتصاديا، ولو عدنا قليلا الى الوراء وتساءلنا لماذا غيّر الراديكاليون من قوميين واشتراكيين مواقفهم لوجدنا انهم لم يفعلوا ذلك تبعا لتطور الوعي، او كما حدث لكتاب من طراز لوكاتش وألتوسير وآخرين ممن تموّجت مواقفهم الفكرية تباعا لمراحل تطورهم، فالمثقف العربي لا يعود اليه الوعي كما حدث لتوفيق الحكيم الا بعد فوات الأوان، واحيانا بعد رحيل الزعيم، فهل كانت أربعة عقود كافية لتحويل عصفور الماغوط الأحدب الى نملة حَدْباء ناءت بما حملت على ظهرها من مؤونة هزيمة قادمة ؟؟؟؟







