إطلاق سراح المقرحي والإرهاب الأميركي!
يمكن أن تواجه جندياً بريطانياً في أرض المعركة، هذا الجندي الطبيعي جداً سيستخدم "رصاصةً" واحدة للقضاء عليك. لكنك ستحظى "بقذيفة" أو "بصاروخ" لإبادتك إن كنت تواجه جندياً أميركياً. الأحداث كلها تشير إلى الفرق الشاسع بين الذهنيتين العسكريتين، فالبريطانيون ينتمون لحضارة عريقة، على العكس من الحضارة الأميركية الطارئة التي نشأت على أيدي المغامرين وطالبي الثراء السريع والمنقبين عن الذهب وكذلك الهاربين من العدالة في أوربا ومن المرتزقة واللصوص.
استعراض تاريخ الجيشين يثبتُ أن هذا هو التصور العام الذي يمكن بناؤه حول كل ذهنية من هاتين الذهنيتين، وهو ما عدتُ لتأمله عند بدء قضية إطلاق سراح السجين الليبي عبدالباسط المقرحي، إذ كانت ردود أفعال أقرباء الضحايا البريطانيين مختلفة كلياً عن ردود أفعال أقرباء الضحايا الأميركيين، وحتى على المستوى الرسمي كان التباين واضحاً. فمنذ البدء كان الكثير من أهالي الضحايا البريطانيين يشككون في قرار إدانة المقرحي، بينما بارك الأميركيون قرار الإدانة، لأن الأميركي بحاجة إلى "كبش فداء" يقوم بسحقه بغض النظر عن ثبوت اتهامه أم لا!. أما بعد إطلاق سراح رجل "يحتضر" فإن ردة الفعل الرسمية والشعبية الأميركية أتت لتوضح بجلاء "مرارة" إطلاق سجين محتضر لدى الأمة الطارئة، فابتداء من الرئيس الأميركي ومروراً بوزيرة الخارجية وانتهاء ببعض أقرباء الضحايا كان البُعد الإنساني مستبعداً تماماً في التعاطي مع "حالة إنسانية" مشكوك في قرار إدانتها أصلاً، في حين رحب البريطانيون بقرار الإفراج عن المقراحي.
ولعل ردود فعل الأميركان ليست مستغربة، وهذا ما عبر عنه لقناة فرانس24 أحد أشقاء الضحايا بعد إطلاق المقراحي بقوله: "لقد خسرنا"، لأن تاريخ نشأة وتكوّن هذه الذهنية لا يمكن وصفه إلا بالتاريخ الأسود المساعد على تكوّن عقلية إرهابية بشعة لا تنظر إلى أي قيمة إنسانية كما ينظر إليها بقية البشر. "إن أي مؤرخ لا ينتابه أي قلق إذا خالف تقديرات أعداد الهنود الحمر الذين قُتلوا إبَّان غزو المغامرين الإسبان لأمريكا، فبعضهم ادّعى أنهم ثمانون مليوناً، وآخرون ادعوا أنهم عشرون، ولكن يبدو أن هناك شبه إجماع علمي يقدّر عددهم بسبعة وخسمين مليوناً" (1)، هذه هي الذهنية الأميركية التي قامت على أرض الهنود الحمر كما يقرر روجيه غارودي، ويذكر أيضاً أن الأفارقة الذين قضوا بسبب تجارة الرقيق على يد المستعمر الأميركي يتراوح عددهم: "من 100 إلى 200 مليون" (2)، [هل يمكننا تخيل حجم هذه الأرقام الضخمة والمفزعة؟]. هذا ما تفعله ذهنية الإبادة، وهي ذات الذهنية المستمرة إلى وقت قريب: "في استفتاء أجرته مجلة فورتون في كانون الأول من عام 1945 كانت ربع الإجابات تمنى لو أن الولايات المتحدة استخدمت المزيد من القنابل الذرية قبل استسلام اليابان" (3)، وهذا ما لا يمكن إدانته في بلد عنصري تأسس على عقلية الإبادة الجماعية: "فقد حدّد أحد رؤسائه، تيودور روزفلت، دون مواربة، السياسة العنصرية: [إن أكثر الحروب عدالة هي الحرب ضد المتوحشين. إن المستوطن الصلب الفخور الذي يطرد المتوحشين من أرضهم يحق له أن يحظى بعرفان جميع المتحضرين.. لا يمكن للعالم أن يحرز أي تقدّم دون ترحيل وسحق الشعوب المتوحشة والهمجية بواسطة المستوطنين المسلحين]" (4).
لكن هل أصبحت الولايات المتحدة أقل نزوعاً للتدمير بعد الحرب العالمية الثانية؟، بالطبع من يرى بعض ما يحدث في العراق يعرف أن ذات العقلية هي المهيمنة على الولايات المتحدة حتى مع بداية الألفية الميلادية الثالثة: "ماذا عملت القوات الأميركية في العراق؟، قتلت حوالي مليون عراقي في حرب غير مبررة زورت أسبابها عمداً، ودمرت البنية التحتية للبلاد ولم تُعِد بناءها والاحتلال في سنته السابعة، وتركت تاريخ البلاد يُنهب، وفتحت الأبواب أمام إرهاب لم يكن موجوداً، ووضعت العراقيين على حافة حرب أهلية" (5)، هذا جزء من مقال لجهاد الخازن يوضح بعضاً مما حدث في العراق، ولا زال يحدث بحكم استمرار الاحتلال، وهو تقدير يقل بنصف مليون قتيل عراقي عن بعض التقديرات المتحفظة في ظل غياب الإحصاءات الرسمية حتى الآن!.
وهذه الرعاية الأميركية لنشأة إسرائيل واستمرار الدعم لها هي ما جعل من الدولة اليهودية نموذجاً مُصغراً، وأكثر بشاعة، من الدولة الأميركية. فالتداخل بين دوافع تأسيس الدولة اليهودية على أرض فلسطين وبين الوجود المسلّح للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط يكاد يستعصي على الفهم، فالعلاقة بين الدولة اليهودية وأميركا علاقة استثنائية: "هذا التحريف للتاريخ، مع النتائج الدامية الناجمة عنه، سببها العلاقة الوثيقة والاستثنائية الأميركية – الإسرائيلية، والتي تمت منذ بداية الخمسين عاماً التي انقضت، والتي بقلبها لميزان القوى جعلت من الولايات المتحدة، اليوم،مستعمرَة إسرائيلية" (6) ولعل السر في صعوبة فهم هذه العلاقة هو كونها علاقة متغيرة، فمن الحذر التاريخي من اليهود لدى مؤسسي الولايات المتحدة إلى الدعم الكامل للقضية اليهودية: "هناك بين الآباء المؤسسين من كتب محذّراً من خطر اليهود على الدولة الجديدة، وطالب بمنعهم من دخولها" (7)، وهو الموقف الذي تحوّل إلى تأييد ولاسيما بعد العدوان الثلاثي على مصر!، لهذا لم يكن من المستغرب أن تماثل الذهنية المؤسسة لدولة اليهود ذات العقلية الأميركية القائمة على الإبادة، فقد اتضحت عقلية الإبادة اليهودية في أكثر من مائة وثلاثين مجزرة ضد العرب في فلسطين خلال 73 عاماً حتى الآن، بدءا من مجزرة حيفا سنة 1937م، وليس انتهاء بالعدوان على غزة عام 2009م، الذي يقول عنه الكاتب البريطاني باتريك سيل: "على رغم أن معظم العالم نظر إلى الحرب في غزة على أنها عمل إجرامي ضد مدنيين عزّل، فقد نتجت عنها موجة مغالاة في القومية في اسرائيل" (8)، وهذا ما يشبه رغبة ربع الأميركان في إلقاء مزيد من القنابل على اليابان قبل استسلامها في الحرب العالمية الثانية!، ويضيف سيل: "أراد الكثيرون أن يُستكمل الهجوم الضاري إلى أن يتم القضاء على حركة حماس ومحو قطاع غزة عن الخريطة" (9). بل إن الدولة اليهودية أكثر تطرفاً وعنصرية من الولايات المتحدة لاتكائها في تبرير جرائمها على بعد ديني ينظر للآخرين على أنهم أغيار كما تقرر كتبهم المقدسة، وكما يشير فلاسفتهم ومن أبرزهم "بن ميمون" الذي يوصي في شرائعه: "بإبادة الكفرة" (10)، وهي الوصية التي تأتي بهذا النّص: "من واجب المرء إبادتهم بأيديه" (11)، وترد لفظة "التدمير" في الترجمة الإنجليزية لوصية بن ميمون: "من واجب المرء أن يتخذ إجراءات فعلية لتدميرهم" (12)، وفي كتابه "دليل الحائرين"، الذي يعد من أكثر الكتب انتشارا بين اليهود كما يذكر إسرائيل شحاك، يقرر أن: "بعض الأتراك (أي العنصر المغولي) والبدو في الشمال، والسود والبدو في الجنوب، وأولئك الذين يشبهونهم في أقاليمنا، فطبيعة هؤلاء البشر كمثل طبيعة الحيوانات البكماء، وهم بحسب رأيي، ليسوا في مستوى البشر، ومستواهم بين أشياء الوجود هو دون مستوى الإنسان، وأعلى من مستوى القرد، لأن لهم أكثر مما للقرد، صورة الإنسان والشبه له" (13). لهذا ليس من المستغرب أن تتوافق الذهنية الأميركية القائمة على أفعال الإبادة والاختطاف والسحق وقتل الأطفال وقطع آذان العدو، كما يفصل في ذلك روجيه غارودي (14)، مع الذهنية اليهودية المؤسسة لدولة إسرائيل على أرض فلسطين، فالدولتان تمارسان الإرهاب بامتياز: "إن كل غزو أو عدوان استعماري هو مشروع باسم المدنية، أما مقاومة الشعوب المُستعمَرة والمضطهدة والمعرضة للإبادة فتحمل، وبلا هوادة، اسم الإرهاب" (15).
لهذا، لا يمكن إدانة الأميركان في مساعيهم لدفن رجل مصاب بسرطان البروستاتا في سجنه، فهم مجرد امتداد لتاريخ طويل من الإرهاب والنزوع إلى التدمير بحكم تكون مجتمعهم من مغامرين ومرتزقة ولصوص وهاربين من وجه العدالة، وبحكم نشوء دولتهم على جثث 59 مليون إنسان فقط!، وبحكم أنهم استعانوا برقيق إفريقيا الذين لم يُقتل منهم إلا 100 مليون إنسان على أقل تقدير، وبحكم أنهم مجرد "مُستعمَرة" يهودية ضخمة تتحرك بلا بصيرة!.
هوامش:
1/ غارودي، روجيه: الاستعمار التقافي والصهيونية، ترجمة: هشام حداد، مجلة "الآداب الأجنبية"، اتحاد الكتاب العرب، العدد 108،2001م، ص35 .
2/ المرجع السابق، ص36.
3/ المرجع السابق، ص26.
4/ المرجع السابق، ص26.
5/ جريدة الحياة، الأخيرة، العدد (16650)، 4 نوفمبر 2008م.
6/ غارودي، روجيه: الاستعمار التقافي والصهيونية، سبق ذكره، ص27.
7/ مقال جهاد الخازن، العدد (16737)، سبق ذكره، 30 يناير 2009م.
8/ المرجع السابق، العدد (16737).
9/ المرجع السابق، العدد (16737).
10/ شاحاك، إسرائيل: الديانة اليهودية وتاريخ اليهود، ترجمة: رضى سلمان، شركة المطبوعات، بيروت، ط5، 1999م، ص52.
11/ المرجع السابق، ص52.
12/ المرجع السابق، ص52.
13/ المرجع السابق، ص53.
14/ غارودي، روجيه: الاستعمار التقافي والصهيونية، سبق ذكره، من ص13 إلى ص36.
15/ المرجع السابق، ص24.







