فريق برشلونة والخيبة العربية
كان برشلونة الأسباني على موعد مع اللقب السادس ليلة السبت الماضي 19 كانون أول 2009م، حصل على بطولة العالم للأندية. حين عدتُ إلى المنزل كان ابني نواف قد أعدّ للمباراة طقوسها، وفعل كما أفعل عادة أمام شاشة التلفزيون استعداداً لمشاهدة مباراة في الدوري الأسباني. ولأنني تأخرتُ عن بداية المباراة لانشغالي بإلقاء محاضرة في جنوب جدة فقد تبرع نواف لي بتقديم ملخص عن الشوط الأول. كانت مباراة أكثر من رائعة، وسهرة ممتعة لاثنين من عشاق "البرشا"، أنا ونواف.
كنتُ قد قررتُ أن أجعل من ابني متابعاً جيداً للدوري الأسباني ودوري أبطال أوروبا، ومنتخب البرازيل، وبعض المباريات للفرق الأوربية والأميركية، واتبعتُ في سبيل ذلك خطة منهجية طويلة بدأت بجلب بطاقة قنوات الجزيرة الرياضية، ومرَّتْ بالحديث عن المباريات والفرق، وكذلك الاشتراك في جوال الرياضية، ثم مشاهدة المباريات مع نواف وخلق جو من الحماس أثناء المباريات وما بعدها، وأخيراً جلب شعارات ومتعلقات النادي الكتلوني وملابس أبرز لاعبيه. إلا أن هذه الخطة لم تكن ذات بُعدٍ واحد، فليس بالترغيب وحده يمكن ضمان النتيجة الإيجابية المرجوة، بل لا بد من دعمها بعدد من الإجراءات الاحترازية، كحجب قناة السعودية الرياضية والقنوات المجانية الأخرى التي تهتم بأي دوري عربي لضمان عدم فساد ذائقته، ثم تقديم كل الرسائل السلبية الممكنة حول الرياضة في الوطن العربي لنواف بوصفه مستهدفاً لهذه الحملة، إضافة إلى تصوير مكتبة المنزل بشكل مريع ومنعه من الاقتراب منها، ورغم أنه لا يزال في الصف الثاني الابتدائي فحسب إلا أنني حرصت على تنشئته منذ المرحلة التمهيدية على كراهية القراءة والنفور من الثقافة.
قد يبدو ما كتبتُه، حتى الآن، غريباً أو مبالغاً فيه، أو قد يعده البعض محاولة للسخرية من وضع رياضي عربي مأزوم، إلا أنني أؤكد أن ما كتبته أعلاه كان ولا يزال حقيقياً ومقصوداً، فتعويد ابني على "استهلاك" منتجات الثقافة الأوربية أصبح هدفاً في ظل وضع عربي "سقيم" بمجمله. من ينظر إلى إنجاز فريق برشلونة الأسباني خارج منظومة الثقافة الأوربية فإنه يرتكب خطأ فادحاً، فالنجاح عبارة عن منظومة متكاملة لا يمكن فصل البعد الرياضي فيها عن بقية مكونات الثقافات، كالبعد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، إلى غير ذلك من مكونات أي ثقافة إنسانية.
لا يمكن أن ينجح مجتمع ما في الجانب الرياضي ويكون فاشلاً في بقية الجوانب. وبالطبع، لخبرتي الطويلة في معنى فداحة الوعي داخل منظومة عربية فاقدة لأي نجاح على جميع الأصعدة فإنني رغبتُ، بعاطفة أب، تجنيب ابني بؤس التعلق بما هو عربي، أياً كان، ذلك أنه لن يجني إلا الخيبة. أتذكر الآن كتاب "حتى يغيروا ما بأنفسهم" لجودت سعيد، قرأته منذ بدايات دراستي الجامعية، وكان له الأثر البالغ في تكوين قناعاتي تجاه التغيير وسننه. التغيير لا يمكن أن يكون مجرد أمنية، فله قوانينه وسننه التي لن يغيرها الله لمجرد أن العرب وصلوا إلى ما وصلوا إليه من حال بائسة. لا بد أن يبدأ التغيير من الذهنية، أن يكون العقل العربي حراً، ومؤمناً بأهمية التعددية والحوار، وأن يؤمن بالآخر وبأحقيته في العيش، وأن يحب العربي نفسه وتاريخه من خلال العمل لا من خلال الخطابات الباهتة والشعارات الرنانة التي تجاوزها العالم إلانحن.
من أراد أن يتأكد من أن الرياضة الأوربية ممثل أمين لثقافة ناضجة ومسؤولة فليعد لأحداث مباراة فرنسا وإيرلندا مؤخراً، فقد تأهلت فرنسا بهدف مخادع شارك في صناعته "تيري هنري" بيده، ثم اعتذر للجماهير الإيرلندية بعد المباراة، مبدياً شعوره بالأسف لفعلته، كما أن الإعلام، سواء الفرنسي أو الإيرلندي، نظر لفعلة هذا اللاعب على أنها تمثِّل تجاوزاً أخلاقياً غير مقبول. إلا أن هذه الحادثة لم تخرج عن كونها مأزقاً أخلاقياً يخص لاعباً واحداً استهدفه الجميع بالنقد الناضج، وليس بالردح الإعلامي كما يفعل إعلاميونا الرياضيون. كما لم يحدث أي اشتباك بين جماهير المنتخبين، لا بالسواطير ولا بالأيدي، كما يحدث في ملاعبنا العربية. قال يوسف سيف بعد هذه المباراة بأيام: "ماذا لو كان ما حدث حاضراً في مباراة مصر والجزائر؟!". نعم، فمباراة مصر والجزائر كانت مثالاً أميناً على السقوط العربي بكافة مستوياته.
قبل أيام، كأنموذج آخر على بؤسنا، كان قائد فريق محلي كبير يسدد ركلة جزءا بأسلوب مستهتر جداً يهدف من ورائه إلى خلق المزيد من المآزق في ناديه لإجبار رئيس الفريق على الاستقالة، ذلك أن اللاعب العربي ليس حراً تماماً من فكرة المخلص، حتى وإن كان المخلص ليس أكثر من تاجر عقار ثري يبتاع قصائد الشعر كما يبتاع لاعبي فريقه على السواء. اللاعب العربي، وكذا جميع منافساتنا الرياضية، ليست سوى الوجه الظاهر لعالم عربي فقد الحرية والتعددية وبالتالي فقد حقه في الحلم، فأصبح "برشلونة" ظاهرة ثقافية إن لم يُغرم بها المشاهد العربي فإنه لن ينجو من الوقوع في غرام النادي الملكي ريال مدريد، أو أي فريق آخر، شرط ألا يكون له علاقة ببلاد العرب، هذه البلاد التي أصبحت، حتى جامعتها العربية، تطارد الصحفيين والصحفيات حين ينتقدوها، فالعرب فوق النقد، لكنهم بالتأكيد أقل بكثير من أي مستوى وصلت له أكثر الثقافات بؤساً على الأرض!.
كنتُ قد قررتُ أن أجعل من ابني متابعاً جيداً للدوري الأسباني ودوري أبطال أوروبا، ومنتخب البرازيل، وبعض المباريات للفرق الأوربية والأميركية، واتبعتُ في سبيل ذلك خطة منهجية طويلة بدأت بجلب بطاقة قنوات الجزيرة الرياضية، ومرَّتْ بالحديث عن المباريات والفرق، وكذلك الاشتراك في جوال الرياضية، ثم مشاهدة المباريات مع نواف وخلق جو من الحماس أثناء المباريات وما بعدها، وأخيراً جلب شعارات ومتعلقات النادي الكتلوني وملابس أبرز لاعبيه. إلا أن هذه الخطة لم تكن ذات بُعدٍ واحد، فليس بالترغيب وحده يمكن ضمان النتيجة الإيجابية المرجوة، بل لا بد من دعمها بعدد من الإجراءات الاحترازية، كحجب قناة السعودية الرياضية والقنوات المجانية الأخرى التي تهتم بأي دوري عربي لضمان عدم فساد ذائقته، ثم تقديم كل الرسائل السلبية الممكنة حول الرياضة في الوطن العربي لنواف بوصفه مستهدفاً لهذه الحملة، إضافة إلى تصوير مكتبة المنزل بشكل مريع ومنعه من الاقتراب منها، ورغم أنه لا يزال في الصف الثاني الابتدائي فحسب إلا أنني حرصت على تنشئته منذ المرحلة التمهيدية على كراهية القراءة والنفور من الثقافة.
قد يبدو ما كتبتُه، حتى الآن، غريباً أو مبالغاً فيه، أو قد يعده البعض محاولة للسخرية من وضع رياضي عربي مأزوم، إلا أنني أؤكد أن ما كتبته أعلاه كان ولا يزال حقيقياً ومقصوداً، فتعويد ابني على "استهلاك" منتجات الثقافة الأوربية أصبح هدفاً في ظل وضع عربي "سقيم" بمجمله. من ينظر إلى إنجاز فريق برشلونة الأسباني خارج منظومة الثقافة الأوربية فإنه يرتكب خطأ فادحاً، فالنجاح عبارة عن منظومة متكاملة لا يمكن فصل البعد الرياضي فيها عن بقية مكونات الثقافات، كالبعد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، إلى غير ذلك من مكونات أي ثقافة إنسانية.
لا يمكن أن ينجح مجتمع ما في الجانب الرياضي ويكون فاشلاً في بقية الجوانب. وبالطبع، لخبرتي الطويلة في معنى فداحة الوعي داخل منظومة عربية فاقدة لأي نجاح على جميع الأصعدة فإنني رغبتُ، بعاطفة أب، تجنيب ابني بؤس التعلق بما هو عربي، أياً كان، ذلك أنه لن يجني إلا الخيبة. أتذكر الآن كتاب "حتى يغيروا ما بأنفسهم" لجودت سعيد، قرأته منذ بدايات دراستي الجامعية، وكان له الأثر البالغ في تكوين قناعاتي تجاه التغيير وسننه. التغيير لا يمكن أن يكون مجرد أمنية، فله قوانينه وسننه التي لن يغيرها الله لمجرد أن العرب وصلوا إلى ما وصلوا إليه من حال بائسة. لا بد أن يبدأ التغيير من الذهنية، أن يكون العقل العربي حراً، ومؤمناً بأهمية التعددية والحوار، وأن يؤمن بالآخر وبأحقيته في العيش، وأن يحب العربي نفسه وتاريخه من خلال العمل لا من خلال الخطابات الباهتة والشعارات الرنانة التي تجاوزها العالم إلانحن.
من أراد أن يتأكد من أن الرياضة الأوربية ممثل أمين لثقافة ناضجة ومسؤولة فليعد لأحداث مباراة فرنسا وإيرلندا مؤخراً، فقد تأهلت فرنسا بهدف مخادع شارك في صناعته "تيري هنري" بيده، ثم اعتذر للجماهير الإيرلندية بعد المباراة، مبدياً شعوره بالأسف لفعلته، كما أن الإعلام، سواء الفرنسي أو الإيرلندي، نظر لفعلة هذا اللاعب على أنها تمثِّل تجاوزاً أخلاقياً غير مقبول. إلا أن هذه الحادثة لم تخرج عن كونها مأزقاً أخلاقياً يخص لاعباً واحداً استهدفه الجميع بالنقد الناضج، وليس بالردح الإعلامي كما يفعل إعلاميونا الرياضيون. كما لم يحدث أي اشتباك بين جماهير المنتخبين، لا بالسواطير ولا بالأيدي، كما يحدث في ملاعبنا العربية. قال يوسف سيف بعد هذه المباراة بأيام: "ماذا لو كان ما حدث حاضراً في مباراة مصر والجزائر؟!". نعم، فمباراة مصر والجزائر كانت مثالاً أميناً على السقوط العربي بكافة مستوياته.
قبل أيام، كأنموذج آخر على بؤسنا، كان قائد فريق محلي كبير يسدد ركلة جزءا بأسلوب مستهتر جداً يهدف من ورائه إلى خلق المزيد من المآزق في ناديه لإجبار رئيس الفريق على الاستقالة، ذلك أن اللاعب العربي ليس حراً تماماً من فكرة المخلص، حتى وإن كان المخلص ليس أكثر من تاجر عقار ثري يبتاع قصائد الشعر كما يبتاع لاعبي فريقه على السواء. اللاعب العربي، وكذا جميع منافساتنا الرياضية، ليست سوى الوجه الظاهر لعالم عربي فقد الحرية والتعددية وبالتالي فقد حقه في الحلم، فأصبح "برشلونة" ظاهرة ثقافية إن لم يُغرم بها المشاهد العربي فإنه لن ينجو من الوقوع في غرام النادي الملكي ريال مدريد، أو أي فريق آخر، شرط ألا يكون له علاقة ببلاد العرب، هذه البلاد التي أصبحت، حتى جامعتها العربية، تطارد الصحفيين والصحفيات حين ينتقدوها، فالعرب فوق النقد، لكنهم بالتأكيد أقل بكثير من أي مستوى وصلت له أكثر الثقافات بؤساً على الأرض!.







