ناديا .... شهيدة لم تكرمها المظاهرات العربية
عندما وقعت حادثة مقتل الفقيدة مروة الشربيني رحمها الله تفاعلنا جميعا واعربنا عن مواقفنا المنددة بالجريمة وقد تباينت ردود الافعال بين تلك التي سحبت الحادثة لتعميمها على المجتمع الالماني بالكامل ووصمه بالعنصرية والدعوة للويل والثبور والانتقام من الغربيين المجرمين الكفرة – علما ان القضاء الالماني يحاكم المجرم مرتكب الجريمة وظهر ابرز المسؤولون الالمان للتنديد علنا بالجريمة – وندد البعض وانا منهم بالجريمة واعتبرناها جريمة شخصية فردية لا يمكن تعميمها على امة او امم كاملة وان مقتل الفقيدة او الشهيدة مروة الشربيني يجب ان لا يتم استغلاله من قبل البعض لمآرب آخرى ليس لها علاقة بالضحية اساسا ان لم تكن متاجرة بمقتلها .
طرحت القضية مسالة وضع المرأة المسلمة من قبل البعض ومن ثم الانسان المسلم او العربي ككل وحالة القهر والبؤس التي يعيشها يوميا من دون ان نرى أي حشود تطالب برفع مستوى احترام كرامة المواطن العربي والمسلم على ارضه واكثر الانتهاكات التي يتعرض لها تقع على ايد من يدعون انهم أبناء العروبة والاسلام – اي نحن – بل ويتم تبرير تلك الجرائم او الصمت عنها بأعتبارها حوادث عادية لا تكشف حقيقتنا – الانسانية – ولا تعكس روحنا – المحبة للخير والسلام – لكن ردود افعال كهذه قد اصبحت مملة وعتيقة ومكشوفة ايضا لانها لا تعالج وضعا مستفحلا بل تحاول تقزيمه وتحجيمه من اجل القفز فوقه وتناسيه بل تؤسس لفكر مخدر منوم يردد كلمات او كلاشيهات من اجل اراحة الضمير او الفكر ان كان هنالك ثمة ضمير او فكر بالاساس.
لن اتحدث عن جرائم الابادة في بلدي العراق التي كانت تتم منذ خمسة وثلاثين عاما في صمت مطبق ولن اتحدث عن جرائم دارفور التي لا نحب الخوض فيها ولن اتحدث عن جرائم القذافي في ليبيا ولن اتحدث عن جرائم جبهة الانقاذ او حتى الحكومة في الجزائر ولن اتحدث عما يحدث في باكستان ولن اتحدث عن ابادة امة كاملة في افغانستان على ايدي عصابات القاعدة وطالبان والقبال البربرية ولن اتحدث عن جرائم خفية اقل وضوحا منتشرة ومزدهرة في ارجاء عالمنا – المتسامح – ولن اتحدث عن جرائم امريكا ايضا ، بل سأتحدث عن حالة قد تكون عادية بنظرنا وتقع كل يوم ربما وليست بذي بال كي نزعج انفسنا بسببها ولا تستدعي منا الخروج في مظاهرات او مسيرات احتجاج بالمرة
بل سأتحدث عن قتيلة او فقيدة – وبالطبع ليست شهيدة بنظر الكثيرين منا !!!– هي فتاة افغانية ، شاعرة مبدعة طبقت شهرتها في بلادها وتعدت حدود هذا البلد المثقل بالخوف والموت ايضا قتلت بسبب اشعارها الجميلة والساحرة والمعبرة عن واقع امة منسية وسط ركام الحرب والتخلف والهمجية، كتبت الشعر وهي لا تزال صبية صغيرة في عمر الخامسة عشر وناضلت من اجل مبادئها في وسط يعتبر من اكثر الاوساط ترديا من الناحية الثقافية والانسانية واستمرت في ابداعاتها لغاية مقتلها وهي شابة في مقتبل العمر في سن الخامسة والعشرين على يد زوجها الذي انزعج من ابداعاتها التي تجاوزت عمرها وحدود وكنها، انها الشاعرة المبدعة والرائعة – ناديا انجمن – التي لم توقفها رصاصات القتلة ولم تسكتها مدافع المجرمين ولم تكبلها تقاليد الرجعيين بل قتلها زوجها الذي يفترض انه ملزم بالحفاظ عليها وصون كرامتها وقد تكون احدى العبارات التي استفزتني عند الحديث عن هذه الشهيدة المنسية هي عبارة – قتلت بسبب اعمال عنف منزلية !!!! – ولم يكن هنالك من يرغب بالتوسع بالموضوع ، لم يقف الازهر منددا ولم تخرج الحوزة مستنكرة ولم تتحدث هيئة كبار العلماء عن الجريمة ولم ينبري المثقفون القوميون والاصوليون دفاعا عن حياتها وحياة الملايين من بنات جنسها المعذبات اسيرات الهموم والاحزان بل وقف الجميع صامتون متفهمون كأن شيئا لم يحصل بالاساس
في احدى تعليقاتي قلت ان متعصبا واحدا قتل مروة الشربيني رحمها الله ليتاجر بدمها الملايين ، لكن مقتل ناديا انجمن كان بسبب متخلف واحد باركت له تلك الملايين فعلته ان لم يكن قولا وعملا فقد باركت له بالسكوت والتناسي
يا ترى لو قتلت مروة الشربيني في بلدها وقتلت ناديا انجمن في المانيا فماذا سيكون موقفنا حينها ؟ النتيجة معروفة بالتأكيد لان حظ القتيل لدينا من حظ قاتله والضحية بحد ذاتها ليست مهمة او بذات قيمة وختاما تعازيي لعوائل الضحيتين ولعوائل جميع الضحايا الذين قتلوا بصمت او بضوضاء ايضا
ازهر مهدي
ادناه نبذة عن حياة ناديا انجمن ومقاطع مترجمة لبعض اشعارها واعتقد انها تستحق منا ولو دقيقة صمت ترحما على روحها الطاهرة ولا نطالب بمظاهرات او اعمال شغب او غضب فهل هنالك ذرة من الآدمية لدينا كي نقضي تلك الدقيقة للتنديد بتلك الجريمة ؟
أنجمن قصيدة غزل لم تكتمل
من قدحات آهتي تتهاوى النجوم وعلى العرش يحط طائر رغبتي
محمد الأمين
ولدتُ في مدينة هرات في أكثر أيامها اضطرابا وانعداما للأمن والأستقرار. أنهيت تحصيلي الدراسي في أعدادية محبوبة بعد ان اختصرت عامين دراسيين في عام واحد. والأن أواصل تحصيلي الأكاديمي في معهد ألآداب والعلوم الأنسانية في مدينة هرات.أذكر أنني كنت مفتونة بالشعر منذ سني طفولتي.والقيود التي وضعتها حركة طالبان على قدمي في فترة الأسر التي أستمرت ستة أعوام هي التي دفعتني أن أجعل من القصيدة مركبا لمواصلة ترحالي في فضاء الشعر.ها أنا أسير بخطى غير واثقة تجعلني دائمة الترنّح والتعثّر لكن لطف الأصدقاء الأحبة يسندني في أصعب اللحظات وأكثرها مشقة رغم كل ذلك لا أظنني في مأمن من مخاطر هذه الطريق الوعرة لذا أراني مضطرة لتكرار القول أنني أواصل ترحالي بخطى قلقة
هكذا قدمت نفسها الشاعرة الافغانية ناديا انجمن في احد اعداد مجلة بخارا الايرانية. ورغم التواضع الملحوظ وغير المفتعل في التقديم أعلاه إلّا أن االوسط النقدي سواء في ايران أو أفغانستان اعتبر ان برحيل انجمن متأثرة بضربات زوجها الذي منعها من الاستمرار في مشوارها الأدبي ، يكون الشعر الأفغاني قد خسر واحدا من أصواته وتجاربه الشعرية الجادة والمهمة في السنوات الأخيرة.فقد إمتازت قصائد أنجمن بنبرة أحتجاجية عالية غالبا ما قارنها النقاد بالشاعرة الايرانية فروغ فرخزاد.
وسواء اتفقنا مع هذا الرأي النقدي أو خالفناه .لابد من الاشارة الى سمة بارزة انفردت بها انجمن دون غيرها من الشاعرات الافغانيات وتتمثل بمعالجتها لقضايا المرأة الأفغانية من خلال لغة في مستوى رفيع من الصفاء والسلاسة وبعيدا عن أي افتعال شكلي يفقد القصيدة انهماكها الجاد بالانشغالات البسيطة والحقيقية للمرأة الأفغانية نحن ازاء الصرخة ممزوجة بطموح نساء مكبلات بالقيد
أنتم يا منفيو الجبل المجهول
هاهي جواهر اسمائكم ترقد في مستنقع صموت
ياذوي الذكرى الزرقاء الممحية
ها هوذا بحر النسيان وقد تعكرت أمواج ذهنه
الى متى تواصلون اخفاء الموج اللألاء لرؤاكم المتقدة
في هذه العاصفة المعتمة
ترى أي يد غازية اقتادت الى عالم الغيبوبة تماثيل احلامكم الذهبية
من ذكريات زرقاء نيّرة
مع مجموعتها الشعرية "وردة الدخان" نالت انجمن شهرة واسعة. وقد أشادت مجلات أدبية مرموقة بهذا الصوت الشعري الذي منح الغزل الافغاني دفقا جديدا من الاعتراض الحاد والجرأة العالية في فضح الظلم الذي يلحق بالمرأة الأفغانية بسبب السلوك الاجتماعي المفروض عليها وذلك عبر ذات الايقاعات المألوفة في الغزل الفارسي بعد أن تم تطويعها لتتلائم مع فضاءات شعرية لم تألفها الشعرية الأفغانية
من قدحات آهتي تتهاوى النجوم
انه الليل وهذي القصيدة التي تحرق لحظاتي بشراراتها
انه الشوق يمشط اوتار حنجرتي
فيالها من نار تلك التي تروي ظمأي
من قدحات آهتي تتهاوى النجوم
وعلى العرش يحط طائر رغبتي
إلى الشاعرة الأفغانية الذبيحة ناديا أنجمن
حميد كشكولي
يوم 4 نوفمبر 2005 وقعت فاجعة كبيرة في أفغانستان . إذ أقدم زوج الشاعرة الشابة المبدعة ناديا انجمن على قتلها لأنها شاعرة لها رؤيتها الخاصة للحياة ، وتشعر بمآسي المرأة، و الظلم الذي يلحق بها في المجتمعات الأبوية التي تسود فيها علاقات أبوية متخلفة وظالمة. وأفغانستان بلد الأنين إذ كلمة فغان أو أفغان تعني الأنين ، إذ تقول ناديا في إحدى قصائدها إنها ابنة الأنين ، ومن قصائدها يشعر المرء أنها كانت في انتظار مصيرها المأساوي
وإن ّ نساء ، بل نساء شاعرات يُقتلن يوميا رجما و ذبحا و وأدا، أو يُلقى بهن في نيران الانتحار ، و إنّ الشعراء يُلعنون في كل أرجاء هذا الكون ، و يتعرضون إلى الإهانات و الذل ، و يُرمون في أتون جحيم الاستبداد والابتذال . في عصر الانحطاط الثقافي و الحضاري للرأسمالية ، تصعد من هذه الجثة العفنة روح مجنونة و مضطربة ، تنهض من غياهب مقابر التاريخ لكي تشعل النار في الدنيا والبشر والجمال . هذه الروح الخبيثة لسانها سيف مصقول بدم الأبرياء من البشر ، في يدها هراوة الرعب والإرهاب، و في راحتها أحجار القذف والتجريح. هذه الروح الشريرة أزمعت على إقامة سلطانها فوق أسس الجهل و الرعب والإرهاب. صممت على أن تذبح العقل و العشق والمعرفة و الرحمة فوق عتبة كهفها المظلم المقام على الجماجم والعظام
فلينهض أنصار الجمال و الحق في مواجهة هذا التنين الأرعن ، و يبذروا بذور العقل و الحكمة و الحياة في تربة العشق
هذا التنين الأحمق خنجر مسموم صدئ يبست عليه بقع دماء المذبوحين على مذبح الحرية
لقد حزّ هذا الخنجر الصدئ عنق ناديا" المنشدة للأشجار والطيور والماء . فنحيب قلبي لناديا نهر يجري دما
و بكاء عيوني " لرابعة" القرن الحادي والعشرين مطر نيسان
مرة أخرى رابعة تذبح
" رابعة" الخريف المضطربة مّرت من صحراء الوأد ، إلى مذابح الصخور
و إنّي أبحث عن شجرة من أشجار النور ، أعلّق عليها هذا الثوب البليل لهذا الكناري الجريح
فأنا مثقّل بالآلام ،لأني كلما فتحت نافذة روحي ، امتلأ حضني بنحيب اليمام
استغاثةٌ مخنوقة ٌ
ناديا أنجمن
وقع خطى المطر الخضراء يصل الأسماع
ها قد يصلن من الطريق
روح عطشى تحمل أحضانا من اليباب ، يوشحها الغبار
أنفاس ممزوجة بالسراب
ملتهبة تلتهمها حبات الرمال
أفواه يبست ، يخضبها الغبار
ها ، يصلن من الدرب
فتيات تربين الآلام بأجساد الجرح الرعاف
وجوه هجرتها بهجة الحياة
قلوب يحفر فيها الموت أخاديد الشيخوخة
..! لا تبحثوا في شفاههن عن بسمات
لقد يبس نهر عيونهن ، فلا تسيل فيه قطرات الدموع
الهي!
لا أدري إن تصل استغاثاتهن المخنوقة الغيوم ؟
إنه وقع خطى المطر الخضراء
خواطر مائية منيرة
يا منفيي الجبل المجهول!
يا جواهر ، أسماؤكم هاجعة في مستنقع الانطفاء!
يا من خواطركم انمحت في ذهن الموج المتلوث بالطمي في بحر النسيان!
أين رونق هواجسكم الجارية؟
أية يد غازية نهبت التمثال الذهبي النقي لرؤاكم ؟
يا منفيي الجبل المجهول!
مالمو
في 18 يناير 2006
هرات المدينة الأفغانية التاريخية ومسقط رأس ناديا أنجمن و مقتلها







